للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

١٦ - معالم قاعدة التصرف بحق الإمامة

والتصرف بحق الإمامة قاعدة بعيدة الخطر بالغة الأثر متمادية التطور والتفرع مع تمادي الحضارة في التطور والتنوع وتباين المؤثرات الاجتماعية والسياسية في طبيعة مستجدات الأحداث مع كل طور من أطوارها وكل نوع من أنواعها , ومع ذلك فلم نقف فيما بين أيدينا من مصادر السلف ومراجع المتأخرين على بحث قائم بذاته يرسم بدقة وشمول معالم هذه القاعدة ومسارها والضوابط التي يجب أن تحكمها إلا ما كان من إلماعات وإلمامات عابرة عارضة في ثنايا أبحاث الأصوليين والفقهاء وروايات المحدثين وآثار النقلة مما لو جمع ونسق جمعًا وتنسيقًا منهجيين لأمكن أن يؤلف مرجعًا يصير إليه الباحث في اجتلاء ضوابط هذه القاعدة وما تفرع أو يمكن أن يتفرع عنها من أحكام.

ولعل من أقرب ما قاله الأصوليون حول هذه القاعدة إلى تجلية بعض معالمها قول القرافي رحمه الله (١) :

"اعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الإمام الأعظم والقاضي الأحكم والمفتي الأعلم , فهو صلى الله عليه وسلم إمام الأئمة وقاضي القضاة وعالم العلماء، فجميع المناصب الدينية فوضها الله تعالى إليه في رسالته , وهو أعظم من كل من تولى منصبًا منها في ذلك المنصب إلى يوم القيامة. فما من منصب ديني إلا وهو متصف به في أعلى رتبة غير أن غالب تصرفه صلى الله عليه وسلم تبليغ؛ لأن وصف الرسالة غالب عليه.

قلت: كان الأولى أن يقول: (غير أن كل تصرفه صلى الله عليه وسلم بالتبليغ) بدلًا من قوله: (غير أن غالب ... إلخ) ؛ لأن التصرفات الأخرى التي ذكرها غير التبليغ الصرف تتضمن معنى التبليغ على اعتبار أن التبليغ لا ينحصر معناه في الإلزام , وإنما يشمل كل جوانب بيان شرع الله , بما فيه الإباحة نفسها. فتأمل.


(١) الفروق ج: ١. ص: ٢٠٥ وما بعدها.

<<  <  ج: ص:  >  >>