للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وهذه القصة أو هذه الصيغة الثانية لقصة العباس مع عمر هي التي تعنينا بالأساس ليس لإثبات ما إذا كانت الواقعة تتصل بجباية , وهو الراجح عندنا , أو بجباية صدقة غير الزكاة , وهو ما يميل إليه البعض ممن ألمعنا إليهم آنفًا توقيرًا

للصحابة , وخاصة من كان في مقام عمر والعباس وارتفاعًا بهم عن مستوى البشرية الصرفة وما يلابسها من مكامن وجدانية , وإنما لتبيان ما تدل عليه من تصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقتضى "حق الإمامة " أو "حق الإمام" تصرفًا دأب عمر على الاقتداء به في كثير من أحكامه وتعامله مع الأحداث دأبا حسبه بعض المتفقهة مجرد اجتهاد حتى زعم البعض أن عمر كان ربما عطل نصا قرآنيًا أو حديثًا باجتهاده , وهو زعم باطل , كان ينبغي أن يتنزه عنه من ينتسب إلى الدراسات الشرعية أو إلى دراسة آثار الخلفاء الراشدين ومن على شاكلتهم من أئمة الصحابة واستنباط الأحكام الشرعية منها استنباطًا مقصودًا لذاته أو مستهدفًا به نمط من التمييز لتطور الفكر التشريعي أو التوجيه الاجتماعي في العهد الأول من تاريخ الإسلام.

وقبل أن نأخذ في تبيان قاعدة (حق الإمامة) أو (حق الإمام) انطلاقًا من هذه الواقعة ووقائع تشاكلها , نؤثر أن ننهي إيضاحنا لما في تصرف عمر من اعتبار المصلحة العامة بتأكيد أن قبوله التحكيم بينه وبين العباس واعتماده على حكمه هو باعتباره المرجع الأعلى للقضاء , إذ هو خليفة المسلمين في تصرفه مع غير العباس في قضايا مماثلة , كان كلاهما عملًا توخى فيه المصلحة العامة , بل حفزته إليه المصلحة العامة التي رآها تعلو على كل اعتبار وإن كان احترام حقوق

وحرمة مال عم رسول الله صلى الله عليه وسلم , بل إن تصدق العباس بداره بعد التحكيم , فيه اعتراف ضمني باعتبار المصلحة العامة , وأنها تعلو عن كل اعتبار غيرها , فقد كان أيسر للعباس لما حكم الحكم - أبي أو حذيفة - لصالحه أن يحتفظ بجواره للمسجد النبوي , وأن لا يقبل عنه بديلًا , أما إذ رضي بأن ينتقل من منزل يجاور فيه ابن أخيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويستطيع أن يسمع منه أذان المؤذن ثم يتوضأ ويلحق صلاة الجماعة إلى منزل يحرمه من هاتين المزيتين وغيرهما فما من شك في أن رضاه هذا كان استجابة لما أدركه من تعين المصلحة العامة , وأن امتناعه من قبل كان لمجرد إرضاء إبائه ونخوته وإقناع عمر بأن ليس له - خلقيا - سلطان على بني هاشم عامة وما فتئت في أنفسهم موجدة من خروج الخلافة من أيديهم , وعلى عم رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة , وإن يكن خليفة للمسلمين وخليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم , وله حق السمع والطاعة على الجميع.

<<  <  ج: ص:  >  >>