وقال ابن الشاط في تعليقه على هذا الفرق: لم يجود التعريف بهذه المسائل ولا أوضحها كل الإيضاح , والقول الذي يوضحها هو أن التصرف في الحكم الشرعي إما أن يكون تصرفه فيه بتعريفه , وإما أن يكون بتنفيذه، فإن كان تصرفه فيه بتعريفه , فذلك هو الرسول إن كان هو المبلغ عن الله تعالى , وتصرفه هو الرسالة , وإلا فهو المفتي , وتصرفه هو الفتوى , وإن كان تصرفه فيه بتنفيذه , فإما أن يكون تنفيذه ذلك بفصل وقضاء وإبرام وإمضاء , وإما أن لا يكون كذلك , فإن لم يكن كذلك , فذلك هو الإمام , وتصرفه هو الإمامة , وإن كان كذلك , فذلك هو القاضي , وتصرفه هو القضاء.
قلت: ولم يحسن ابن الشاط أيضًا التحديد الدقيق لما أراد تحديده ذلك بأن تصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما اعتبروه فتوى وفيما اعتبروه قضاء , لا فيما اعتبروه إمامة هو تبليغ أساسًا , والفرق هو إما أن يكون التصرف قوليا صرفًا أو فعليا يراد به مجرد بيان نص , وأغلب ما يكون هذا في العبادات , وهذا النوع من التصرف هو التبليغ المجرد , وإما أن يكون فصلًا بين متخاصمين , فهذا التصرف ذو صبغة قضائية , وإن يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم به وفيه مبلغًا وإمامًا ثم قاضيًا بصفته الرسول المبلغ الإمام , وإما أن يكون تصرفًا مما يقتضيه تنظيم أمر الناس في شأن مما يصل بالفرد أو الجماعة أو المجتمع تنظيما لا يتأتى إلا بهيبة السلطة أو قوتها , وهذا التصرف هو ما يطلق عليه التصرف بمقتضى الإمامة أو بحق الإمام , والرسول صلى الله عليه وسلم وهو يمارسه يتصرف بصفته الرسول الإمام , ذلك بأننا إذا جردنا تصرفًا من تصرفاته عليه الصلاة والسلام من اعتبار الرسالة مصدرًا ملحوظًا فيه , أمكن الالتباس في شأنه بالاختصاص كما ألمعنا آنفًا. فتأمل.
على أن تصرفاته في العبادة نفسها إذا لم تكن تطبيقًا لنص قرآني محكم ليس بحاجةإلى بيان - وهذا النوع قليل - ليست مجرد تبليغ , وإن تكن بطبيعتها بيانًا لمجمل النص القرآني في عبادة ما أو تشريعا ابتدائيًا مستمدة عناصره من سنن التشريع القرآني كما هو الشأن في الصلوات النوافل والسنن المؤكدة وغيرها من العبادات المسنونة للتقرب مما لم ترد فيه نصوص قرآنية خاصة , وإنما هي تصرفات تتضمن أيضًا معنى الإمامة , إذ أنه صلى الله عليه وسلم حين يسن سنة أو يبين مجملًا أو يطبق نصًا قرآنيًا إنما يفعل ذلك بصفته الإمام الرسول الموكول إليه أمر التطبيق والبيان والاستنان.