ولا يختلف موقعه في هذا المجال عن موقعه فيما يفعله أو يقضي به في مجال المعاملات أو ما يسمى اليوم بالحقوق المدنية عامة أو في مجال الأحوال الشخصية , ولا نجد مدعاة إلى أن نسوق نماذج شتى من تصرفاته صلى الله عليه وسلم بمقتضى الإمامة , ونؤثر هذا التعبير على عبارة حق الإمامة " , أو "حق الإمام" , فقد مضى بعض منها خلال البندين السابقين , إذ نسوق الروايات المختلفة عن رافع بن خديج في المزارعة والمساقاة وخاصة أمره صلى الله عليه وسلم لرافع أو لغيره , إذ وجده يزارع غيره في أرضه , فأمره أن يأخذ بدوره ونفقته , وأن يزرع الزرع لصاحب الأرض , وإذ نسوق نماذج من القضية المأثورة الدالة على اعتماد المصلحة العامة وإن نتج عن اعتمادها بعض الإضرار بأحد الطرفين المتقاضيين اعتبارًا لأخف الضررين وتشريعًا لقاعدة حكمية وخلقية تتمادى آثارها فتشمل المصلحة العامة في الحال والمآل , وذلك حين عرضنا لقضية سمرة بن جندب وعضيده في حائط الأنصاري , وكيف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقطع عضيد سمرة حين امتنع عن البيع والمعاوضة وابتغاء الثواب في الآخرة، ثم لقضية الزبير وصاحبه الذي خاصمه على الماء يمر بأرض للزبير قبل أن يصل إليه , وكيف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن يحبس الماء حتى يبلغ الجدر ثم يرسل ما فضل لخصمه بعد أن تجرأ خصمه فاتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمحاباة ابن عمته.
وإذ عرضنا لحديث عمر مع العباس وخالد بن الوليد ولئن اختلفوا في أمر العباس إن كان امتناعه عن تسليم صدقته لعمر؛ لأنه أسلفها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لعامين بالتماس منه عليه الصلاة والسلام لحاجة ألمت بالمسلمين أو لأنه رفض أن يسلمها لعمر لسبب آخر , وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحملها عنه أو أخبر بأنه استلفها منه , وذلك ما سبق أن عرضنا له ببعض التفصيل , فإنهم في أمر خالد بن الوليد لم يجدوا مجالًا واسعًا للاختلاف , إذ لم تتغاير الروايات فيما يتصل به , فانحصر اختلافهم في تعليل موقفه وموقف رسول الله صلى الله عليه وسلم منه وفي تأويل بعض ألفاظه ابتغاء المطابقة بين قاعدة فقهية قعدوها وجمدوا عليها وبين قضية ثابتة من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحد صحابته الأجلاء خلخلت لهم تلك القاعدة.