للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فقد وقر عندهم واستقر أن الصدقة تجب في كل مال يملكه مسلم من الأموال المزكاة , إذ توفر فيه النصاب , وحال عليه الحول , إن يكن مما يشترط فيه الحول , وعز عليهم أن يضيفوا إلى هذه القاعدة استثناء يشرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقتضى الإمامة واضح العلة واضح الصيغة واضح البيان، وهو أنه لما كانت الزكاة إنما شرعت لضمان مورد لبيت مال المسلمين يواجه به حاجات الأصناف الثمانية المذكورة في قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} (١) فإن المال الذي يكون في يد شخص خول له , فوقفه كله في سبيل الله وإن احتفظ بالتصرف فيه ولم يسلمه لبيت مال المسلمين لا يشمله شرع الزكاة , إذ إنه كله وليس جزء منه أصبح وقفًا في سبيل الله , {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} أحد الأصناف الثمانية التي عينتها الآية الكريمة مصارف للزكاة , وما أروع قوله صلى الله عليه وسلم في أمر خالد: ((إنكم تظلمون خالدًا)) . الحديث. فليت شعري لما لم يستوقف انتباه الفقهاء وهم يبدؤون ويعيدون في محاولة التوفيق بين قاعدتهم التي قعدوها فجمدوا عليها , وبين هذا التشريع النبوي الرائع الحكيم.

ومع أن في هذه النماذج الغناء كل الغناء في التمثيل لتصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقتضى الإمامة , فإنا نؤثر لمزيد من البيان أن نسوق تصرفين لرسول الله صلى الله عليه وسلم في قضيتين مختلفتين وإن كان تصرفه فيهما يتوخى إقرار نفس السنة , سنة التصرف بمقتضى الإمامة اعتبارًا للمصلحة العامة؛ لأنهما يمثلان تشريعًا في مجال بعيد الخطر ومختلف عن مجالات التصرفات السابقة، فكلاهما يتصل بالمغانم وهي حق لجميع المجاهدين بصرف النظر عن اختلاف الفقهاء أيضًا في ما إذا كان استحقاقهم يتعين بمجرد أن يغنمها الجيش الإسلامي أو لا يتعين إلا حين يقسمها الإمام , فحث على القول بأن استحقاق المجاهد في الغنيمة لا يتعين إلا عند قسمتها، فلا جدال في أن مجرد غنمها يثبت فيها حقا جماعيا لجميع المجاهدين يمكن أن نسميه حقا مشتركًا أو مشاعًا ومع ذلك فقد أحدث فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم تشريعًا في قضيتين مختلفتين يثبت بما لا مجال فيه للجدل ما للإمام من حق التصرف في المغانم بمقتضى الإمامة حين تتعين المصلحة العامة في تصرف لا يلتزم إلزامًا دقيقًا بالحق المشترك أو المشاع في المغانم.


(١) التوبة آية رقم ١٠٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>