للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

هذه بعض الأحكام التي شرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقضية هند وأبي سفيان , وهي من الفيوض الكريمة للتصرف بمقتضى الإمامة اعتبارا للمصلحة العامة , وما أكثر ما أصاب المسلمون من فيوض سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من خير عميم.

وكان الصحابة رضوان الله عليهم - لا سما أهل الفتيا - وأولو الأمر منهم يدركون ذلك أعمق الإدراك من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بوعيهم لمناط ما يشرع قولًا وفعلًا , ولو قد مضينا في استقصاء مداركهم هذه بأسانيدها لملأنا مجلدات.

حسبنا أن نقف عند نماذج منها مما انتهجه عمر خلال سني خلافته، فما نعلم في تاريخ التشريع الإسلامي في العهد الأول بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل عمر وعيًا بحقائق التشريع وتجلية لخباياه وسرائره على حرص شديد منه أن لا ينحرف عن صاحبيه قيد أنملة، ولسنا نغفل الصديق - رضي الله عنه - ونحسبه لو مد الله في عمره سيكون مثل عمر وإن بأسلوب مختلف في التطبيق والتنفيذ لاختلاف طبيعة الرجلين الجليلين في التعامل مع الناس والأشياء والأحداث , وآية ذلك موقفه - رضي الله عنه - من مانعي الزكاة والعمل على حفظ القرآن من التلاشي والاندثار بالأمر بجمعه بعد محنة القراء في اليمامة , وكلا الأمرين مشهوران , لسنا بحاجة فيهما إلى بيان أو إسناد.

أما الفاروق - رضي الله عنه - فقد شاء الله أن تطول خلافته هونا , فاستطاع أن يكمل بيان التشريع الإسلامي وتجلية مناطه ومغازيه وإيضاح معالم النهج الذي يتعين سلوكه في تطبيقه حتى لا يعسر على الفقيه الواعي أن يجد حدثًا مما يستجد في حياة الناس على اختلاف أطوار حضارتهم وأنماط بيئاتهم ليس للحكم فيه أو لتكييف مواجهته أساس من عمل عمر أو قوله إن لم يكن له أساس من فعل رسول الله أو قوله , وليس في القرآن الكريم نص صريح يتصل به.

<<  <  ج: ص:  >  >>