وقال (١) : حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان , عن هشام , عن أبيه , عن عائشة , أن هندًا قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أبا سفيان رجل شحيح , وأحتاج أن آخذ من ماله. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)) .
وسواء كان قوله صلى الله عليه وسلم: ((وهل ترك لنا عقيل من رباع)) عند فتح مكة أو في حجة الوداع أو فيهما معًا , فالقصة متعددة على اختلاف بين الرواة والنقلة , بسطه ابن حجر في الفتح , فإن الذي يعنينا هو أنه صلى الله عليه وسلم قعد شرعه , لولا تقعيده لها لكان موضوعها مجال خلاف واسع بين المسلمين , وهي أن الكافر حين يسلم، يسلم على ما في يده ما أصاب في حال الكفر , وإن كان من مال استحقه المسلمون، وبيان ذلك أن إرث رسول الله صلى الله عليه وسلم جده عبد المطلب وإرث علي وجعفر رضي الله عنهما من أبيهما أبي طالب استحوذ عليه عقيل أخوهما رضي الله عنه قبل أن يسلم , ولم يسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم رده بعد أن أسلم , وإنما أقره عليه , واعتل بإقراره عليه أنه لم يعد يملك رباعا في مكة ينزل فيها , فقد استحوذ عقيل على رباعه , وجلي أنه لو لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم حق في تركة جده عبد المطلب؛ لأن أباه توفي وعبد المطلب حي , وأن أعمامه الأحياء هم وحدهم لهم الحق في إرثه , وكان لعلي أو لجعفر حق في تركة أبيهما أبي طالب في إرثه لعبد المطلب يشمله حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بحق عقيل فيما استحوذ عليه لنزل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم أنه صلى الله عليه وسلم حصر الاستحواذ على رباعه في عقيل والعباس وغيره من ورثة عبد المطلب قد أصابوا أنصبتهم من إرثه ما في ذلك شك , فوضح أن عقيلًا استحوذ هو وحده على رباع رسول الله صلى الله عليه وسلم , ومع أن شراح الحديث ورواته لم يذكروا شيئا عن طبيعة هذه الرباع , فإنا نشعر بأنها قد لا تكون مجرد حصته من إرث جده عبد المطلب , بل يمكن أن يكون منها إرثه من خديجة - رضي الله عنها - وأن عقيلًا لم يستحوذ استنادًا إلى حق الإرث فحسب , وإنما كان استحواذه جريًا على سنن المصادرة التي استنتها قريش في أموال المهاجرين من المسلمين , فكان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وهل ترك لنا عقيل من رباع)) تشريعًا بمقتضى الإمامة لقاعدة أن الكافر إذا أسلم يظل له ما أسلم عليه من مال , وليس للمسلم الذي كان صاحب ذلك المال أن يطالبه به , ولذلك اعتبرنا هذا الحديث الشريف قاعدة تشريعية متميزة من القواعد الناتجة عن التصرف بمقتضى الإمامة اعتبارًا للمصلحة العامة , فلو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشرعها لانفتح باب يعسر إغلاقه , وقد يكون مستحيلًا من الجدل والخصام بين المسلمين السابقين وبين أولئك اللاحقين قد يعوق عملية الإسماح للمسلمين اللاحقين في مجتمع المسلمين السابقين , وواضح أن هذه المصلحة تعلو على اعتبار المصلحة الفردية لأولئك الذين صودرت أموالهم نتيجة لهجرتهم. وهي فضلًا عن ذلك تشريع يمنع بمقتضاه من تخلى للمسلمين عن شيء من ماله في سبيل الله أن يستعيده وإن أمكنته استعادته , ومن هذا القبيل الكراهة للمصدق أن يشتري صدقته إن وجدها تباع , ولمن وهب عتادًا لمجاهد ليجاهد به في سبيل الله أن يشتريه إذا وجده في السوق يباع.
أما قضية هند وأبي سفيان فلها مجال آخر من التشريع وإن تكن انطلقت من قاعدة التصرف بمقتضى الإمامة , فالإذن لزوجة البخيل المقتر على زوجه وولده أن تأخذ من ماله كفايتها وكفاية ولدها بالمعروف دون استئذان زوجها وحتى بالرغم من امتناعه يثبت أولًا: الحق في العيش الكفاف للزوجة والولد في مال القادر البخيل.
وثانيًا: أولوية هذا الحق وأسبقيته لواجب المحافظة على مال الزوج باعتباره أمانة لا يحل للزوجة أن تتصرف فيه إلا بإذنه.
وثالثًا: إثبات الحق لصاحب الحق المغتصب أو الممنوع منه أن يأخذه إذا وجده أو أمكنه الحصول عليه بأية وسيلة.
ورابعًا: إقرار مبدأ دقيق خطير , هو أن ما خوله الله من تصرف فيما بين يديه من ما ليس مخولا له تخويلًا مطلقًا غير مقيد , وإنما هو مخول له تخويلًا محدودا بأن ينتفع به وينفع غيره , فإذا تجاوز هذا الحد بأن اختص به نفسه وحرم غيره أو حرم نفسه وحرم غيره بخلًا وأمكن لغيره الشريك فيه بحكم الشرع أن ينال منه نصيبه بمعروف , فله ذلك غير آثم , إنما الإثم على ذلك الذي حاول أن يمنعه حقه أنانية أو بخلًا.
(١) البخاري ج: ٨. ص: ١١٥ و١١٦.