الْوَجْهُ السَّادِسَ عَشَرَ: أَنْ يُقَالَ لِمَنْ أَثْبَتَ شَيْئًا مِنَ الصِّفَاتِ بِالْعَقْلِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَأْتِيَ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى ذَلِكَ بِقِيَاسٍ شُمُولِيٍّ أَوْ قِيَاسٍ تَخْيِيلِيٍّ، فَتَقُولُ فِي الشُّمُولِيِّ: كُلُّ فِعْلٍ مُنْقَلٍ مُحْكَمٍ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى عِلْمِ فَاعِلِهِ وَقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ، وَهَذِهِ الْمَخْلُوقَاتُ كَذَلِكَ فَهِيَ. دَالَّةٌ عَلَى عِلْمِ الرَّبِّ تَعَالَى وَقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَتَقُولُ فِي التَّمْثِيلِ: الْفِعْلُ الْمُتْقَنُ يَدُلُّ عَلَى عِلْمِ فَاعِلِهِ وَقُدْرَتِهِ فِي الشَّاهِدِ، فَكَانَ دَلِيلًا فِي الْغَائِبِ، وَالدَّلَالَةُ الْعَقْلِيَّةُ لَا تَخْتَلِفُ شَاهِدًا وَغَائِبًا، فَلَا يُمْكِنُكَ أَنْ تُثْبِتَ لَهُ سُبْحَانَهُ بِالْعَقْلِ صِفَةً أَوْ فِعْلًا إِلَّا بِالْقِيَاسِ الْمُتَضَمِّنِ قَضِيَّةً كُلِّيَّةً، إِمَّا لَفْظًا كَمَا فِي قِيَاسِ الشُّمُولِ، وَإِمَّا مَعْنًى كَمَا فِي قِيَاسِ التَّمْثِيلِ.
فَإِذَا كُنْتَ لَا يُمْكِنُكَ ثَبَاتُ الصَّانِعِ وَلَا صِفَاتُهُ إِلَّا بِالْقِيَاسِ الَّذِي لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ إِثْبَاتِ قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ الْمَقِيسِ وَالْمَقِيسِ عَلَيْهِ، وَبَيْنَ أَفْرَادِ الْقَضِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ وَلَمْ يَكُنْ هَذَا عِنْدَكَ تَشْبِيهًا مُمْتَنِعًا، فَكَيْفَ تُنْكِرُ مَعَانِيَ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ وَوَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَقَائِقَهُ بِزَعْمِكَ أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ تَشْبِيهًا، وَهَذَا مِنْ أَنْفَعِ الْأَشْيَاءِ لِمَنْ لَهُ فَهْمٌ، فَإِنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ بِمَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَلَا بُدَّ فِي الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَقَّةِ الْمُتَوَاطِئَةِ مِنْ مَعْنًى مُشْتَرَكٍ بَيْنَ أَفْرَادِهَا، فَجَحَدَ الْمُعَطِّلَةُ حَقَائِقَهَا لِمَا زَعَمُوا فِيهَا مِنَ التَّشْبِيهِ، وَهُمْ لَا يُمْكِنُهُمْ إِثْبَاتُ شَيْءٍ يَعْتَقِدُونَهُ إِلَّا بِنَوْعٍ مِنَ الْقِيَاسِ الْمُتَضَمِّنِ التَّشْبِيهَ الَّذِي فَرُّوا مِنْهُ، لَا فِي جَانِبِ النَّفْيِ وَلَا فِي جَانِبِ الْإِثْبَاتِ، فَهُمْ مُنْكِرُونَ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ بِمَا هُوَ مِنْ نَوْعِهِ أَوْ دُونَهُ، وَهَذَا غَايَةُ الضَّلَالِ، فَلْيُتَأَمَّلْ ذَلِكَ.
الْوَجْهُ السَّابِعَ عَشَرَ: أَنَّ مَنِ ادَّعَى أَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ مَجَازٌ أَوِ اسْمَهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، إِمَّا أَنْ يُثْبِتَ لِهَذَا اللَّفْظِ مَعْنًى أَوْ لَا، وَالثَّانِي يُقِرُّ الْمُنَازِعُ بِبُطْلَانِهِ، وَإِذَا كَانَ لَا بُدَّ مِنْ إِثْبَاتِ مَعْنًى لِهَذَا اللَّفْظِ، فَإِمَّا أَنْ يَتَضَمَّنَ مَحْذُورًا أَوْ لَا، فَإِنْ تَضَمَّنَ مَحْذُورًا لَمْ يَجُزْ إِثْبَاتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَضَمَّنْ مَحْذُورًا لَمْ يُمْكِنْ إِثْبَاتُهُ لِإِخْرَاجِ اللَّفْظِ عَنْ حَقِيقَتِهِ أَوْلَى مِنْ بَقَاءِ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَإِثْبَاتِ مَعْنَاهُ الْأَصْلِيِّ، إِذِ انْتِفَاءُ الْمَحْذُورِ عَنِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَاحِدٌ، وَتَسْلَمُ الْحَقِيقَةُ وَهِيَ الْأَصْلُ، فَأَمَّا إِخْرَاجُ اللَّفْظِ عَنْ حَقِيقَتِهِ لِأَمْرٍ لَا يَتَخَلَّصُ بِهِ فِي الْمَجَازِ وَلَا مَحْذُورَ مِنْهُ فِي الْحَقِيقَةِ وَلَا فِي الْمَجَازِ مَعْنًى لَهُ بَلْ هُوَ خَطَأٌ مَحْضٌ.
الْوَجْهُ الثَّامِنَ عَشَرَ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَرَّقَ بَيْنَ رَحْمَتِهِ وَالرِّضْوَانِ وَثَوَابِهِ الْمُنْفَصِلِ فَقَالَ تَعَالَى: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ} [التوبة: ٢١] فَالرَّحْمَةُ وَالرِّضْوَانُ صِفَتُهُ وَالْجَنَّةُ ثَوَابُهُ، وَهَذَا يُبْطِلُ قَوْلَ مَنْ جَعَلَ الرَّحْمَةَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.