وَهَبْ أَنَّ الْيَدَ تُسْتَعْمَلُ فِي النِّعْمَةِ، أَفَسَمِعْتُمْ أَنَّ الْيَمِينَ وَالْكَفَّ يُسْتَعْمَلَانِ فِي النِّعْمَةِ فِي غَيْرِ الْوَضْعِ الْجَدِيدِ الَّذِي اخْتَرَعْتُمُوهُ وَحَمَلْتُمْ عَلَيْهِ كَلَامَ اللَّهِ وَكَلَامَ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَكَذَلِكَ " وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْقِسْطُ " هَلْ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى وَبِقُدْرَتِهِ الْأُخْرَى؟ وَهَلْ يَصِحُّ فِي قَوْلِهِ: " «إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ» " أَنَّهُ عَنْ قُدْرَتِهِ فِي لُغَةٍ مِنَ اللُّغَاتِ؟ وَهَلْ سَمِعْتُمْ بِاسْتِعْمَالِ الْيَمِينِ فِي النِّعْمَةِ وَالْكَفِّ فِي النِّعْمَةِ؟ وَكَيْفَ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: " «إِنَّ اللَّهَ أَخَذَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِنْ ظَهْرِهِ، ثُمَّ أَفَاضَ بِهِمْ فِي كَفِّهِ» " كَفُّ النِّعْمَةِ وَالْقُدْرَةِ؟ وَهَذَا لَمْ تَعْهَدُوا أَنْتُمْ وَلَا أَسْلَافُكُمْ بِهِ اسْتِعْمَالًا الْبَتَّةَ سِوَى الْوَضْعِ الْجَدِيدِ الَّذِي اخْتَرَعْتُمُوهُ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: «خَمَّرَ اللَّهُ طِينَةَ آدَمَ ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ فِيهَا فَخَرَجَ كُلُّ طَيِّبٍ بِيَمِينِهِ وَكُلُّ خَبِيثٍ بِيَدِهِ الْأُخْرَى ثُمَّ خَلَطَ بَيْنَهُمَا» " فَهَلْ يَصِحُّ فِي هَذَا السِّيَاقِ غَيْرُ الْحَقِيقَةِ؟ فَضَعْ لَفْظَ النِّعْمَةِ وَالْقُدْرَةِ هَاهُنَا، ثُمَّ انْظُرْ هَلْ يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ، وَهَلْ يَصِحُّ فِي قَوْلِهِ: " «وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ» " أَنْ يَكُونَ فِي نِعْمَتَيْكَ أَوْ فِي قُدْرَتَيْكَ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ وَكَتَبَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ وَغَرَسَ جَنَّةَ عَدْنٍ بِيَدِهِ» ، أَفَيَصِحُّ أَنْ يَخُصَّ الثَّلَاثَ بِقُدْرَتِهِ، وَلَا سِيَّمَا لَفْظُ الْحَدِيثِ " «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ بِيَدِهِ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ» " أَفَيَصِحُّ أَنْ تُوضَعَ النِّعْمَةُ وَالْقُدْرَةُ مَوْضِعَ الْيَدِ هَاهُنَا؟
[المثال الخامس إثبات الوجه لله تعالى حقيقة]
الْمِثَالُ الْخَامِسُ: وَجْهُ الرَّبِّ جَلَّ جَلَالُهُ حَيْثُ وَرَدَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَلَيْسَ بِمَجَازٍ بَلْ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَاخْتَلَفَ الْمُعَطِّلُونَ فِي جِهَةِ التَّجَوُّزِ فِي هَذَا، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَفْظُ الْوَجْهِ زَائِدٌ، وَالتَّقْدِيرُ وَيَبْقَى رَبُّكَ، إِلَّا ابْتِغَاءَ رَبِّهِ الْأَعْلَى، وَيُرِيدُونَ رَبَّهُمْ.
وَقَالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرَى مِنْهُمْ: الْوَجْهُ بِمَعْنَى الذَّاتِ، وَهَذَا قَوْلُ أُولَئِكَ وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي التَّعْبِيرِ عَنْهُ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: ثَوَابُهُ وَجَزَاؤُهُ، فَجَعَلَهُ هَؤُلَاءِ مَخْلُوقًا مُنْفَصِلًا، قَالُوا: لِأَنَّ الَّذِي يُرَادُ هُوَ الثَّوَابُ، وَهَذِهِ أَقْوَالٌ نَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْعَظِيمِ مِنْ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ أَهْلِهَا، قَالَ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، وَقَدْ حَكَى قَوْلَ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " «إِذَا قَامَ الْعَبْدُ يُصَلِّي أَقْبَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ» " يُحْتَمَلُ أَنْ يُقْبِلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِنِعْمَتِهِ وَإِحْسَانِهِ وَأَفْعَالِهِ وَمَا أَوْجَبَ لِلْمُصَلِّي مِنَ الثَّوَابِ، فَقَوْلُهُ {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [الرحمن: ٢٧] أَيْ مَا
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.