السَّادِسُ: أَنَّ هَذَا الْمَجَازَ لَوْ صُرِّحَ بِهِ فِي حَقِّ اللَّهِ كَانَ قَبِيحًا، فَإِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يُقَالُ فِي الْمُتَقَارِبِينَ فِي الْمَنْزِلَةِ وَأَحَدُهُمَا أَفْضَلُ مِنَ الْآخَرِ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَتَقَارَبَا بِوَجْهٍ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ فِيهِمَا ذَلِكَ، وَإِذَا كَانَ يَقْبُحُ كُلَّ الْقُبْحِ أَنْ تَقُولَ: الْجَوْهَرُ فَوْقَ قِشْرِ الْبَصَلِ وَإِذَا قُلْتَ ذَلِكَ ضَحِكَتْ مِنْكَ الْعُقَلَاءُ لِلتَّفَاوُتِ الْعَظِيمِ الَّذِي بَيْنَهُمَا، فَالتَّفَاوُتُ الَّذِي بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ أَعْظَمُ وَأَعْظَمُ وَفِي مِثْلِ هَذَا قِيلَ شِعْرًا:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ السَّيْفَ يَنْقُصُ قَدْرُهُ ... إِذَا قِيلَ إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَ الْعَصَا
السَّابِعُ: أَنَّ الرَّبَّ سُبْحَانَهُ لَمْ يُمْتَدَحْ فِي كِتَابِهِ وَلَا عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنَ الْعَرْشِ، وَأَنَّ رُتْبَتَهُ فَوْقَ رُتْبَةِ الْعَرْشِ، وَأَنَّهُ خَيْرٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ، وَحَيْثُ وَرَدَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ فَإِنَّمَا هُوَ فِي سِيَاقِ الرَّدِّ عَلَى مَنْ عَبَدَ مَعَهُ غَيْرَهُ وَأَشْرَكَ فِي إِلَهِيَّتِهِ، فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ تِلْكَ الْآلِهَةِ كَقَوْلِهِ: {آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ} [النمل: ٥٩] وَقَوْلِهِ: {أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [يوسف: ٣٩] وَقَوْلِ السَّحَرَةِ: {وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: ٧٣] وَلَكِنْ أَيْنَ فِي الْقُرْآنِ مَدْحُهُ نَفْسَهُ وَثَنَاؤُهُ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ ابْتِدَاءً، وَلَا يَصِحُّ إِلْحَاقُ هَذَا بِذَلِكَ، إِذْ يَحْسُنُ فِي الِاحْتِجَاجِ عَلَى الْمُنْكِرِ وَإِلْزَامِهِ مِنَ الْخِطَابِ الدَّاحِضِ لِحُجَّتِهِ مَا لَا يَحْسُنُ فِي سِيَاقِ غَيْرِهِ، وَلَا يُنْكِرُ هَذَا إِلَّا غَبِيٌّ.
الثَّامِنُ: أَنَّ هَذَا الْمَجَازَ وَإِنِ احْتُمِلَ فِي قَوْلِهِ: {وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} [الأعراف: ١٢٧] فَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُمْ جَمِيعًا مُسْتَقِرُّونَ عَلَى الْأَرْضِ، فَهِيَ فَوْقِيَّةُ قَهْرٍ وَغَلَبَةٍ، لَمْ يَلْزَمْ مِثْلُهُ فِي قَوْلِهِ: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: ١٨] إِذْ قَدْ عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ وَعِبَادُهُ لَيْسُوا مُسْتَوِينَ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ حَتَّى تَكُونَ فَوْقِيَّةَ قَهْرٍ وَغَلَبَةٍ.
التَّاسِعُ: هَبْ أَنَّ هَذَا يُحْتَمَلُ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف: ٧٦] لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ وَالْقَرَائِنِ الْمُقْتَرِنَةِ بِاللَّفْظِ عَلَى فَوْقِيَّةِ الرُّتْبَةِ، وَلَكِنَّ هَذَا إِنَّمَا يَأْتِي مُجَرَّدًا عَنْ (مِنْ) وَلَا يُسْتَعْمَلُ مَقْرُونًا بِمِنْ فَلَا يُعْرَفُ فِي اللُّغَةِ الْبَتَّةَ أَنْ يُقَالَ: الذَّهَبُ مِنْ فَوْقِ الْفِضَّةِ وَلَا الْعَالِمُ مِنْ فَوْقِ الْجَاهِلِ، وَقَدْ جَاءَتْ فَوْقِيَّةُ الرَّبِّ مَقْرُونَةً بِمِنْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: ٥٠] فَهَذَا صَرِيحٌ فِي فَوْقِيَّةِ الذَّاتِ، وَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى فَوْقِيَّةِ الرُّتْبَةِ لِعَدَمِ اسْتِعْمَالِ أَهْلِ اللُّغَةِ لَهُ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.