وقال في هذه الآية:(قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون) أي: إن الله سينزل على رسوله ما يفضحكم به، ويبين له (١) أمركم كما قال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٢٩، ٣٠](٢)؛ ولهذا قال قتادة: كانت تسمى هذه السورة "الفاضحة"، فاضحة المنافقين.
قال أبو معشر المديني (٣) عن محمد بن كعب القُرَظي وغيره قالوا: قال رجل من المنافقين: ما أرى قُرّاءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونا، وأكذبنا ألسنة، وأجبننا عند اللقاء. فرُفع ذلك إلى رسول الله ﷺ، فجاء إلى رسول الله وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب. فقال:(أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون) إلى قوله: (مجرمين) وإن رجليه لتنسفان (٤) الحجارة وما يلتفت إليه رسول الله ﷺ، وهو متعلق بنسعة رسول الله ﷺ.
وقال عبد الله بن وهب: أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن عمر قال: قال رجل في غزوة تبوك في مجلس (٥) ما رأيت مثل قُرائنا هؤلاء، أرغبَ بطونا، ولا أكذبَ ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء. فقال رجل في المسجد: كذبتَ، ولكنك منافق. لأخبرن رسول الله ﷺ، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ونزل القرآن. قال عبد الله بن عمر: وأنا رأيته متعلقا بحَقَب ناقة رسول الله ﷺ تَنكُبُه (٦) الحجارة (٧) وهو يقول: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب. ورسول الله ﷺ يقول:(أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم).
وقد رواه الليث، عن هشام بن سعد، بنحو من هذا (٨)
وقال ابن إسحاق: وقد كان جماعة من المنافقين منهم وَديعة بن ثابت، أخو بني أمية بن زيد، من بني عمرو بن عوف، ورجل من أشجع حليف لبني سلمة يقال له: مُخَشّن (٩) بن حُميّر يشيرون إلى رسول الله ﷺ وهو منطلق إلى تبوك، فقال بعضهم لبعض: أتحسبون جِلادَ بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا؟ والله لكأنا بكم غدا مُقَرّنين في الحبال، إرجافا وترهيبا للمؤمنين، فقال مُخَشّن (١٠)
(١) في أ: "لكم". (٢) في أ: "إسرارهم" وهو خطأ. (٣) في أ: "المعدني". (٤) في هـ: "ليسفعان"، وفي أ: "ليشفعان" والمثبت من الطبري. (٥) في ت، أ: "مجلس يوما". (٦) في ت، أ: "يركبه". (٧) في ت: "بالحجارة". (٨) رواه الطبري في تفسير (١٤/ ٣٣٣، ٣٣٤). (٩) في أ: "مخشي". (١٠) في أ: "مخشي".