وَالْوُضُوءُ الثَّابِتُ عَنْهُ -صلى الله عليه وسلم- الَّذِي فِي "الصَّحِيحَيْنِ" وَغَيْرِهِمَا مِن غَيْرِ وَجْهٍ لَيْسَ فِيهِ أَخْذُ مَاءٍ جَدِيدٍ لِلْأُذُنَيْنِ، وَلَا غَسْلُ مَا زَادَ عَلَى الْمَرْفِقَيْنِ وَالْكَعْبَيْنِ، وَلَا مَسْحُ الْعُنُقِ، وَلَا قَالَ النَبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "مَن اسْتَطَاعَ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ"؛ بَل هَذَا مِن كَلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ تجاءَ مُدْرَجًا فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ، وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّكُمْ تَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِن آثَارِ الْوُضُوءِ" (١)، وَكَانَ -صلى الله عليه وسلم- يَتَوَضَّأُ حَتَّى يَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ وَالسَّاقِ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: "مَن اسْتَطَاعَ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ"، وَظَنَّ مَن ظَنَّ أَنَّ غَسْلَ الْعَضُدِ مِن إطَالَةِ الْغرَّةِ، وَهَذَا لَا مَعْنَى لَهُ؛ فَإِنَّ الْغُرَّةَ فِي الْوَجْهِ لَا فِي الْيَدِ وَالرِّجْلِ، وَإِنَّمَا فِي الْيَدِ وَالرِّجْلِ الْحَجْلَةُ، وَالْغُرَّةُ لَا يُمْكِنُ إطَالَتُهَا؛ فَاِنَّ الْوَجْهَ يُغْسَلُ كُلُّهُ، لَا يُغْسَل الرَّأسُ، وَلَا غرَّةَ فِي الرَّأسِ، وَالْحَجْلَةُ لَا يُسْتَحَبُّ إطَالَتُهَا، وَإِطَالَتُهَا مُثْلَةٌ.
وَكَذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ كَانَ يَتَحَرَّى أَنْ يَسِيرَ مَوَاضِعَ سَيْرِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وَيَنْزِلَ مَوَاضِعَ مَنْزِلِهِ، وَيَتَوَضَّأُ فِي السَّفَرِ حَيْثُ رَآهُ يَتَوَضَّأُ، وَيَصُبَّ فَضْلَ مَائِهِ عَلَى شَجَرَةٍ صَبَّ عَلَيْهَا، وَنَحْو ذَلِكَ مِمَّا اسْتَحَبَّهُ طَائِفَةٌ مِن الْعُلَمَاءِ وَرَأَوْهُ مُسْتَحَبًّا، وَلَمْ يَسْتَحِبَّ ذَلِكَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ؛ كَمَا لَمْ يَسْتَحِبَّهُ وَلَمْ يَفْعَلْهُ أَكَابِرُ الصَّحَابَةِ كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَغَيْرِهِمْ، لَمْ يَفْعَلُوا مِثْل مَا فَعَلَ ابْنُ عُمَرَ.
وَلَو رَأَوْهُ مُسْتَحَبًّا لَفَعَلُوهُ، كَمَا كَانُوا يَتَحَرُّوْنَ مُتَابَعَتَهُ وَالِاقْتِدَاءَ بِهِ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُتَابَعَةَ أَنْ يَفْعَلَ مِثْل مَا فَعَلَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَ؛ فَإِذَا فَعَلَ فِعْلًا عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ شُرِعَ لَنَا أنْ نَفْعَلَهُ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ؛ وَإِذَا قَصَدَ تخصِيصَ مَكَانٍ أَو زَمَانٍ بِالْعِبَادَةِ خَصَّصْنَاهُ بِذَلِكَ.
وَأَمَّا مَا فَعَلَهُ بِحُكْمِ الاِتِّفَاقِ وَلَمْ يَقْصِدْهُ؛ مِثْل أَنْ يَنْزِلَ بِمَكان وَيُصَلِّيَ فِيهِ لِكَوْنِهِ نَزَلَهُ لَا قَصْدًا لِتَخْصِيصِهِ بِهِ بِالصَّلَاةِ وَالنُّزُولِ فِيهِ، فَإِذا قَصَدنَا تَخْصِيصَ
(١) رواه البخاري (١٣٦)، ومسلم (٢٤٦).
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.