وَأَمْثَالُ ذَلِكَ.
وَهَؤُلَاءِ الْمُدَّعُونَ لِلْبَاطِنِ لَا يُوجِبُونَ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ وَلَا يُحَرِّمُونَ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ؛ بَلْ يَسْتَحِلُّونَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَنِكَاحَ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْمُنْكَرَاتِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَؤُلَاءِ أَكْفَرُ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَمَنْ يَكُونُ هَكَذَا كَيْفَ يَكُونُ مَعْصُومًا؟ ،، وَأَمَّا " الْأَخْبَارُ " فَإِنَّهُمْ لَا يُقِرُّونَ بِقِيَامِ النَّاسِ مِنْ قُبُورِهِمْ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ؛ وَلَا بِمَا وَعَدَ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ مِنْ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ؛ بَلْ وَلَا بِمَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ؛ بَلْ وَلَا بِمَا ذَكَرَتْهُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ، بَلْ أَخْبَارُهُمْ الَّتِي يَتَّبِعُونَهَا اتِّبَاعَ الْمُتَفَلْسِفَةِ الْمَشَّائِينَ التَّابِعِينَ لِأَرِسْطُو، وَيُرِيدُونَ أَنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرُّسُلُ وَمَا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ، كَمَا فَعَلَ أَصْحَابُ " رَسَائِلِ إخْوَانِ الصَّفَا " وَهُمْ عَلَى طَرِيقَةِ هَؤُلَاءِ الْعُبَيْدِيِّينَ، ذُرِّيَّةِ " عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونٍ الْقَدَّاحِ ". فَهَلْ يُنْكِرُ أَحَدٌ مِمَّنْ يَعْرِفُ دِينَ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ الْيَهُودِ، أَوْ النَّصَارَى: أَنَّ مَا يَقُولُهُ أَصْحَابُ " رَسَائِلِ إخْوَانِ الصَّفَا " مُخَالِفٌ لِلْمِلَلِ الثَّلَاثِ وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْعُلُومِ الرِّيَاضِيَّةِ، وَالطَّبِيعِيَّةِ، وَبَعْضِ الْمَنْطِقِيَّةِ، وَالْإِلَهِيَّةِ، وَعُلُومِ الْأَخْلَاقِ، وَالسِّيَاسَةِ، وَالْمَنْزِلِ: مَا لَا يُنْكَرُ؛ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ مِنْ مُخَالَفَةِ الرُّسُلِ فِيمَا أَخْبَرَتْ بِهِ وَأَمَرَتْ بِهِ، وَالتَّكْذِيبِ بِكَثِيرٍ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ، وَتَبْدِيلِ شَرَائِعِ الرُّسُلِ كُلِّهِمْ بِمَا لَا يَخْفَى عَلَى عَارِفٍ بِمِلَّةٍ مِنْ الْمِلَلِ. فَهَؤُلَاءِ خَارِجُونَ عَنْ الْمِلَلِ الثَّلَاثِ.
وَمِنْ أَكَاذِيبِهِمْ وَزَعْمِهِمْ: أَنَّ هَذِهِ " الرَّسَائِلَ " مِنْ كَلَامِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ الصَّادِقِ.
وَالْعُلَمَاءُ يَعْلَمُونَ أَنَّهَا إنَّمَا وُضِعَتْ بَعْدَ الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ زَمَانَ بِنَاءِ الْقَاهِرَةِ، وَقَدْ ذَكَرَ وَاضِعُهَا فِيهَا مَا حَدَثَ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ اسْتِيلَاءِ النَّصَارَى عَلَى سَوَاحِلِ الشَّامِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْحَوَادِثِ الَّتِي حَدَثَتْ بَعْدَ الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ، وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، قَبْلَ بِنَاءِ الْقَاهِرَةِ بِأَكْثَرَ مِنْ مِائَتَيْ سَنَةٍ؛ إذْ الْقَاهِرَةُ بُنِيَتْ حَوْلَ السِّتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، كَمَا فِي تَارِيخِ الْجَامِعِ الْأَزْهَرِ ". وَيُقَالُ: إنَّ ابْتِدَاءَ بِنَائِهَا سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ، وَأَنَّهُ فِي سَنَةِ اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ قَدِمَ " مَعْدُ بْنُ تَمِيمٍ " مِنْ الْمَغْرِبِ وَاسْتَوْطَنَهَا.
وَمِمَّا يُبَيِّنُ هَذَا أَنَّ الْمُتَفَلْسِفَةَ الَّذِينَ يُعْلَمُ خُرُوجُهُمْ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ كَانُوا مِنْ أَتْبَاعِ مُبَشِّرِ بْنِ فَاتِكٍ أَحَدِ أُمَرَائِهِمْ، وَأَبِي عَلِيٍّ بْنِ الْهَيْثَمِ اللَّذَيْنِ كَانَا فِي دَوْلَةِ الْحَاكِمِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.