خلاصَ المستضعفين (١)؛ فإن سبيل الله تعالى تمامٌ في كل خير (٢)، ومن أعظم الخيرات خلاصُهم من أيدي الكفار، وهم الذين أسلموا بمكة، وصدَّهم المشركون عن الهجرة، فبقُوا بين أظهُرهم مستذَلِّين.
﴿مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ جعل الولدانَ من جملة المستضعَفين تسجيلًا على الظَّلَمة بإفراطِ الظلم حتى بلغ أذاهم الصبيانَ إرغامًا وإيذاء لآبائهم وأمَّهاتهم، ومَبْغَضةً وإيلامًا لهم.
ويجوز أن يكون ذكرُ الولدان مع المستضعفين لإشراكهم الأطفال في الدعاء استرحامًا من الله تعالى بدعاء الصغار الذين لم يُذْنبوا.
ويجوز أن يراد بالرجال والنساء: الأحرارُ والحرائر، وبالولدان: العبيدُ والإماء؛ لأن العبد يُدْعَى بالوليد فغلِّب الذَّكَر وأُطلق عليهما الولدان، كما يقال الوالدان.
﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ أرادوا بالتوصيف التنبيهَ على أن طلبهم الخروجَ منها لظلمِ أهلها، وإلا فهي وطنُهم وأشرفُ البقاع، لا يريدون الخروج منها بلا اضطرارٍ، ولمَّا كان المراد من القرية مكةَ - شرَّفها الله تعالى - تجنَّبوا عن المبالغة في ظلم أهلها بنسبة الظلم إلى القرية، ولم يسلكوا مسلَكَ قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ﴾ [الطلاق: ٨] ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ﴾ [القصص: ٥٨].
﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾: وهيِّئْ لنا من عندك مَن يتولَّى كفايتنا.
﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾: مَن ينصرُنا ويمنعُنا من عدوِّنا.
فاستجاب الله تعالى دعاءهم، جعَل رسول الله ﷺ وليَّهم، وعتَّابَ بنَ أَسِيدٍ
(١) "أو نصب على الاختصاص واختص من سبيل الله خلاص المستضعفين" من (م). (٢) في (ك): "حين".