وَيَقْسِمُ سَهْمَيْنِ مِنَ الْعُلُوِّ بِسَهْمٍ مِنَ السُّفْلِ (سم) ، وَلَا تَدْخُلُ الدَّرَاهِمُ فِي الْقِسْمَةِ إِلَّا بِتَرَاضِيهِمْ.
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ تُقَسَّمُ الْأَرْضُ بِالْمِسَاحَةِ عَلَى الْأَصْلِ فِي الْمُسُوحَاتِ، فَمَنْ كَانَ نَصِيبُهُ أَجْوَدَ أَوْ وَقَعَ لَهُ الْبِنَاءُ يَرُدُّ عَلَى الْآخَرِ دَرَاهِمَ حَتَّى يُسَاوِيَهُ فَتَدْخُلُ الدَّرَاهِمُ فِي الْقِسْمَةِ ضَرُورَةً كَوِلَايَةِ الْأَخِ، وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ أَحْسَنُ وَأَوْفَقُ لِلْأُصُولِ ; وَلَوِ اخْتَلَفُوا فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ نَرْفَعُ طَرِيقًا بَيْنَنَا وَامْتَنَعَ الْآخَرُ، فَإِنْ كَانَ يَسْتَقِيمُ لِكُلِّ وَاحِدٍ طَرِيقٌ فِي نَصِيبِهِ قُسِمَ بَيْنَهُمْ بِغَيْرِ طَرِيقٍ، وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَقِيمُ رُفِعَ بَيْنَهُمْ طَرِيقٌ وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى الْمُمْتَنِعِ؛ لِأَنَّهُ تَكْمِيلُ الْمَنْفَعَةِ وَتَوْفِيرُهَا، وَيُجْعَلُ الطَّرِيقُ عَلَى عَرْضِ بَابِ الدَّارِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَنْدَفِعُ بِهِ، وَهُوَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِكَةِ، وَطَرِيقُ الْأَرْضِ قَدْرُ مَا تَمُرُّ فِيهِ الْبَقَرُ لِلْحِرَاثَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الزَّرْعِ، وَلَوْ وَقَعَتْ شَجَرَةٌ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا أَغْصَانُهَا مُتَدَلِّيَةٌ فِي نَصِيبِ الْآخَرِ، رَوَى ابْنُ رُسْتُمٍ عَنْ مُحَمَّدٍ لَهُ أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى قَطْعِهَا، وَرَوَى ابْنُ سَمَاعَةَ لَا يُجْبِرُهُ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ الشَّجَرَةَ بِأَغْصَانِهَا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَلِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَجْعَلَ فِي نَصِيبِهِ بِئْرًا وَبَالُوعَةً وَتَنُّورًا وَحَمَّامًا وَإِنْ كَانَ يَضُرُّ بِحَائِطِ جَارِهِ، وَلَهُ أَنْ يَسُدَّ كُوَّةَ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِي خَالِصِ مِلْكِهِ فَلَا يَكُونُ مُتَعَدِّيًا، وَضَرَرُ الْجَارِ حَصَلَ ضِمْنًا فَلَا يَضْمَنُ، وَكَذَلِكَ لِصَاحِبِ الْحَائِطِ أَنْ يَفْتَحَ فِيهِ بَابًا وَإِنْ تَأَذَّى جَارُهُ لِمَا ذَكَرْنَا، وَالْكَفُّ عَمَّا يُؤْذِي الْجَارَ أَحْسَنُ.
قَالَ: (وَيَقْسِمُ سَهْمَيْنِ مِنَ الْعُلُوِّ بِسَهْمٍ مِنَ السُّفْلِ) وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ سَهْمٌ بِسَهْمٍ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِالْقِيمَةِ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى؛ لِأَنَّهُمَا أَجْنَاسٌ بِالنَّظَرِ إِلَى اخْتِلَافِ الْمَنَافِعِ، فَإِنَّ السُّفْلَ يَصْلُحُ إِصْطَبْلًا وَلِحَفْرِ الْبِئْرِ وَالسِّرْدَابِ، وَلَا كَذَلِكَ الْعُلُوُّ ; وَكَذَلِكَ تَخْتَلِفُ قِيمَتَاهُمَا بِاخْتِلَافِ الْبُلْدَانِ فَلَا يُمْكِنُ التَّعْدِيلُ إِلَّا بِالْقِيمَةِ. وَلَهُمَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَزْرُوعِ أَنْ يُقْسَمَ بِالزَّرْعِ، وَالْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ السُّكْنَى، إِلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ قَالَ: ذِرَاعٌ بِذِرَاعٍ نَظَرًا إِلَى مَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَهُوَ السُّكْنَى، وَهُمَا يَسْتَوِيَانِ فِيهَا، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَفْعَلَ فِي نَصِيبِهِ مَا لَا يَضُرُّ بِالْآخَرِ، وَالْمَنْفَعَتَانِ مُتَمَاثِلَتَانِ، فَكَمَا أَنَّ لِصَاحِبِ السُّفْلِ حَفْرَ الْبِئْرِ وَالسِّرْدَابِ، لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ أَنْ يَبْنِيَ فَوْقَ عُلُوِّهِ مَا لَمْ يَضُرَّ بِالسُّفْلِ عَلَى أَصْلِهِ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ مَنْفَعَةَ السُّفْلِ ضَعْفُ مَنْفَعَةِ الْعُلُوِّ؛ لِأَنَّهَا تَبْقَى بَعْدَ فَوَاتِ الْعُلُوِّ، وَفِي السُّفْلِ مَنْفَعَةُ الْبِنَاءِ وَالسُّكْنَى، وَفِي الْعُلُوِّ السُّكْنَى لَا غَيْرُ، وَلَيْسَ لَهُ التَّعَلِّي إِلَّا بِأَمْرِ صَاحِبِهِ عَلَى أَصْلِهِ، فَيَعْتَبِرُ ذِرَاعَيْنِ بِذِرَاعٍ نَظَرًا إِلَى اخْتِلَافِ الْمَنْفَعَةِ، ثُمَّ قِيلَ: أَبُو حَنِيفَةَ بَنَى عَلَى أَصْلِهِ أَنَّهُ لَيْسَ لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى عُلُوِّهِ إِلَّا بِرِضَى صَاحِبِهِ، وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ. وَقِيلَ أَجَابَ عَلَى عَادَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ فِي اخْتِيَارِ السُّفْلِ عَلَى الْعُلُوِّ.
قَالَ: (وَلَا تَدْخُلُ الدَّرَاهِمُ فِي الْقِسْمَةِ إِلَّا بِتَرَاضِيهِمْ) ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ فِي الْمُشْتَرَكِ وَلَا شَرِكَةَ فِي الدَّرَاهِمِ، فَإِذَا رَضِيَا جَازَ لِمَا بَيَّنَّا.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.