كِتَابُ اللُّقَطَةِ وَأَخْذُهَا أَفْضَلُ، وَإِنْ خَافَ ضَيَاعَهَا فَوَاجِبٌ، وَهِيَ أَمَانَةٌ إِذَا أَشْهَدَ أَنَّهُ أَخَذَهَا لِيَرُدَّهَا عَلَى صَاحِبِهَا، فَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ ضَمِنَهَا وَيُعَرِّفُهَا مُدَّةً يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ صَاحِبَهَا لَا يَطْلُبُهَا بَعْدَ ذَلِكَ.
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
[كِتَابُ اللُّقَطَةِ]
وَهِيَ كَاللَّقِيطِ فِي الِاشْتِقَاقِ وَالْمَعْنَى، وَهِيَ بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ: اسْمٌ لِلْمَالِ الْمَلْقُوطِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ اسْمُ الْمُلْتَقِطِ كَالضُّحَكَةِ وَاللُّمَزَةِ وَالْهُمَزَةِ. فَأَمَّا الْمَالُ الْمَلْقُوطُ فَهُوَ بِسُكُونِ الْقَافِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
قَالَ: (وَأَخْذُهَا أَفْضَلُ) لِئَلَّا تَصِلَ إِلَيْهَا يَدٌ خَائِنَةٌ (وَإِنْ خَافَ ضَيَاعَهَا فَوَاجِبٌ) صِيَانَةً لِحَقِّ النَّاسِ عَنِ الضَّيَاعِ، وَإِنْ كَانَ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ الطَّمَعَ فِيهَا وَتَرْكَ التَّعْرِيفِ وَالرَّدِّ فَالتَّرْكُ أَوْلَى صِيَانَةً لَهُ عَنِ الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمِ.
وَاللُّقَطَةُ: مَا يُوجَدُ مَطْرُوحًا عَلَى الْأَرْضِ مَا سِوَى الْحَيَوَانِ مِنَ الْأَمْوَالِ لَا حَافِظَ لَهُ. وَالضَّالَّةُ: الدَّابَّةُ تَضِلُّ الطَّرِيقَ إِلَى مَرْبِطِهَا وَأَخْذُهَا أَفْضَلُ ; لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي زَمَانِنَا الضَّيَاعُ، فَإِنْ أَخَذَهَا وَأَشْهَدَ وَعَرَّفَهَا ثُمَّ رَدَّهَا إِلَى مَوْضِعِهَا لَمْ يَضْمَنْ. وَذَكَرَ الْحَاكِمُ فِي مُخْتَصَرِهِ، أَوْ رَدَّهَا بَعْدَ مَا حَوَّلَهَا ضَمِنَ ; لِأَنَّ بِالتَّحْوِيلِ الْتَزَمَ الْحِفْظَ، فَبِالرَّدِّ صَارَ مُضَيِّعًا وَلَا كَذَلِكَ قَبْلَ التَّحْوِيلِ.
قَالَ: (وَهِيَ أَمَانَةٌ إِذَا أَشْهَدَ أَنَّهُ يَأْخُذُهَا لِيَرُدَّهَا عَلَى صَاحِبِهَا) وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ عِنْدَ الْأَخْذِ أَنَّهُ يَأْخُذُهَا لِلرَّدِّ أَوْ يَقُولَ: مَنْ سَمِعْتُمُوهُ يَنْشُدُ لُقَطَةً فَدُلُّوهُ عَلَيَّ (فَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ ضَمِنَهَا) خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ إِذَا ادَّعَى أَنَّهُ أَخَذَهَا لِلرَّدِّ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهِ الْحِسْبَةُ لَا الْمَعْصِيَةُ. وَلَهُمَا أَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ كُلَّ مُتَصَرِّفٍ عَاقِلٍ إِنَّمَا يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ، وَقَدِ اعْتَرَفَ بِالْأَخْذِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الضَّمَانِ ثُمَّ ادَّعَى مَا يُبَرِّئُهُ فَلَا يُصَدَّقُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَإِنْ قَالَ أَخَذْتُهُ لِنَفْسِي ضَمِنَ بِالْإِجْمَاعِ بِإِقْرَارِهِ، وَإِنْ تَصَادَقَا أَنَّهُ أَخَذَهَا لِيَرُدَّهَا لَمْ يَضْمَنْ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ تَصَادُقَهُمَا كَالْبَيِّنَةِ.
قَالَ: (وَيُعَرِّفُهَا مُدَّةً يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ صَاحِبَهَا لَا يَطْلُبُهَا بَعْدَ ذَلِكَ) هُوَ الْمُخْتَارُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِقِلَّةِ الْمَالِ وَكَثْرَتِهِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ عَرَّفَهَا أَيَّامًا، وَإِنْ كَانَتْ عَشَرَةً فَصَاعِدًا عَرَّفَهَا حَوْلًا. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: التَّقْدِيرُ بِالْحَوْلِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنِ الْتَقَطَ شَيْئًا فَلْيُعَرِّفْهُ حَوْلًا» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ. وَجْهُ الْأَوَّلِ مَا رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: «وَجَدْتُ مِائَةَ دِينَارٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلْتُهُ عَنْهَا، فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلًا» ، وَالْعَشَرَةُ وَمَا فَوْقَهَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ حَيْثُ وُجُوبِ الْقَطْعِ فِي سَرِقَةٍ وَاسْتِبَاحَةِ الْفَرْجِ بِهَا وَلَا كَذَلِكَ مَا دُونَهَا.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.