وَأَفْضَلُ أَسْبَابِ الْكَسْبِ: الْجِهَادُ ثُمَّ التِّجَارَةُ ثُمَ الزِّرَاعَةُ ثُمَّ الصِّنَاعَةُ
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
وَفِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: يَا عَبْدِي حَرِّكْ يَدَكَ أُنْزِلْ عَلَيْكَ الرِّزْقَ» ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا} [مريم: ٢٥] (٢٥)) وَكَانَ تَعَالَى قَادِرًا أَنْ يَرْزُقَهَا مِنْ غَيْرِ هَزٍّ مِنْهَا، لَكِنْ أَمَرَهَا لِيُعَلِّمَ الْعِبَادَ أَنْ لَا يَتْرُكُوا اكْتِسَابَ الْأَسْبَابِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الرَّزَّاقُ وَنَظِيرُ هَذَا خَلْقُ الْإِنْسَانِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى خَلْقِهِ لَا مَنْ سَبَبٍ وَلَا فِي سَبَبٍ كَآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَيَخْلُقُ مِنْ سَبَبٍ لَا فِي سَبَبٍ كَحَوَّاءَ، وَقَدْ يَخْلُقُ فِي سَبَبٍ لَا مَنْ سَبَبٍ كَعِيسَى، وَقَدْ يَخْلُقُ مَنْ سَبَبٍ فِي سَبَبٍ كَسَائِرِ بَنِي آدَمَ؛ فَطَلَبُ الْعَبْدِ الْوَلَدَ بِالنِّكَاحِ لَا يَنْفِي كَوْنَ الْخَالِقِ هُوَ اللَّهَ تَعَالَى، فَكَذَلِكَ طَلَبُهُ الرِّزْقَ بِأَسْبَابِهِ لَا يَنْفِي كَوْنَ الرَّازِقِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالدَّلَائِلُ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ وَالْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِيهِ مُتَوَافِرَةٌ، وَكِتَابُنَا هَذَا يَضِيقُ عَنِ اسْتِيعَابِهَا، وَفِي هَذَا بَلَاغٌ وَمَقْنَعٌ.
وَطَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ» . وَهُوَ أَقْسَامٌ: فَرْضٌ، وَهُوَ مِقْدَارُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِإِقَامَةِ الْفَرَائِضِ وَمَعْرِفَةِ الْحَقِّ مِنَ الْبَاطِلِ، وَالْحَلَالِ مِنَ الْحَرَامِ، وَهُوَ مَحْمَلُ الْحَدِيثِ؛ وَمُسْتَحَبٌّ وَقُرْبَةٌ كَتَعْلِيمِ مَا لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِيُعَلِّمَ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ كَالْفَقِيرِ يَتَعَلَّمُ أَحْكَامَ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ لِيُعَلِّمَهَا مَنْ وَجَبَا عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ تَعَلُّمُ الْفَضَائِلِ وَالسُّنَنِ كَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَسُنَّةِ الْخِتَانِ وَنَحْوِهَا، وَمُبَاحٌ وَهُوَ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ لِلزِّينَةِ وَالْكَمَالِ؛ وَمَكْرُوهٌ وَهُوَ التَّعَلُّمُ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ وَيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ وَيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ أُلْجِمَ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ؛ وَلِذَلِكَ كَرِهَ أَبُو حَنِيفَةَ تَعَلُّمَ الْكَلَامِ وَالْمُنَاظَرَةَ فِيهِ وَرَاءَ قَدْرِ الْحَاجَةِ.
وَالتَّعْلِيمُ بِقَدْرِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لِإِقَامَةِ الْفَرْضِ فَرْضٌ أَيْضًا، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ عِنْدَهُ احْتَاجَ النَّاسُ إِلَيْهِ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ» ، حَتَّى قَالُوا: يَجِبُ عَلَى الْمَوْلَى أَنْ يُعَلِّمَ عَبْدَهُ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ بِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِأَدَاءِ الْفَرَائِضِ، وَيَفْتَرِضُ الْعُلَمَاءُ تَعْلِيمَهُ إِلَى أَنْ يَفْهَمَ الْمُتَعَلِّمُ وَيَحْفَظَهُ وَيَضْبِطَهُ، لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إِقَامَةِ الْفَرَائِضِ إِلَّا بِالْحِفْظِ.
وَلَا يَجِبُ عَلَى الْفَقِيهِ أَنْ يُجِيبَ عَنْ كُلِّ مَا يُسْأَلُ إِذَا كَانَ هُنَاكَ مَنْ يُجِيبُ غَيْرَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَلْزَمُهُ الْجَوَابُ، لِأَنَّ الْفَتْوَى وَالتَّعْلِيمَ فَرْضُ كِفَايَةٍ.
قَالَ: (وَأَفْضَلُ أَسْبَابِ الْكَسْبِ الْجِهَادُ) لِأَنَّ فِيهِ الْجَمْعَ بَيْنَ حُصُولِ الْكَسْبِ وَإِعْزَازِ الدِّينِ وَقَهْرِ عَدُوِّ اللَّهِ تَعَالَى (ثُمَّ التِّجَارَةُ) لِأَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حَثَّ عَلَيْهَا فَقَالَ: «التَّاجِرُ الصَّدُوقُ مَعَ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ» ؛ وَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّاجِرَ الصَّدُوقَ» .
(ثُمَّ الزِّرَاعَةُ) وَأَوَّلُ مَنْ فَعَلَهُ آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الزَّارِعُ يُتَاجِرُ رَبَّهُ» ، وَقَالَ: «اطْلُبُوا الرِّزْقَ تَحْتَ خَبَايَا الْأَرْضِ» (ثُمَّ الصِّنَاعَةُ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حَرَّضَ عَلَيْهَا فَقَالَ: «الْحِرْفَةُ أَمَانٌ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.