أَوْ صُلْحُ بَعْضِهِمْ أَوْ عَفْوُهُ، فَتَجِبُ بَقِيَّةُ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، أَوْ عِنْدَ تَعَذُّرِ اسْتِيفَائِهِ لِشُبْهَةٍ كَقَتْلِ الْأَبِ ابْنَهُ فَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَلَا كَفَّارَةَ فِي الْعَمْدِ. وَشِبْهُ الْعَمْدِ: أَنْ يَتَعَمَّدَ الضَّرْبَ بِمَا لَا يُفَرِّقُ (سم) الْأَجْزَاءَ: كَالْحَجَرِ وَالْعَصَا وَالْيَدِ،
ــ
[الاختيار لتعليل المختار]
لَا يَكُونُ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَشَرِيعَةُ مَنْ تَقَدَّمَنَا تُلْزِمُنَا إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ النَّسْخُ، وَجَمِيعُ أَحَادِيثِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ أَخْبَارُ آحَادٍ لَا يُنْسَخُ بِهَا الْكِتَابُ، وقَوْله تَعَالَى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ} [البقرة: ١٧٨] وَهُوَ الْمُمَاثَلَةُ لُغَةً، وَالْمُمَاثَلَةُ بَيْنَ النَّفْسِ وَالنَّفْسِ لَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَالِ، أَوْ نَقُولُ ذَكَرَ الْقِصَاصَ وَلَمْ يَذْكُرِ الدِّيَةَ، فَلَوْ ثَبَتَ التَّخْيِيرُ أَوِ الدِّيَةُ لَثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَأَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى الْكِتَابِ، وَالزِّيَادَةُ نَسْخٌ وَالْكِتَابُ لَا يُنْسَخُ بِهِ. وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْعَمْدُ قَوَدٌ» ، وَقَالَ: «كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ» وَقَدْ مَرَّ التَّمَسُّكُ بِهِ.
قَالَ: (أَوْ صُلْحُ بَعْضِهِمْ أَوْ عَفْوُهُ، فَتَجِبُ بَقِيَّةُ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ) لِأَنَّهُ حَقٌّ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْوَرَثَةِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «وَرَّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ عَقْلِهِ» ، وَإِذَا كَانَ مُشْتَرِكًا بَيْنَهُمْ فَلِكُلٍّ مِنْهُمُ الْعَفْوُ عَنْ نَصِيبِهِ، وَالصُّلْحُ عَنْهُ كَغَيْرِهِ مِنَ الْحُقُوقِ، فَإِذَا صَالَحَ الْبَعْضُ أَوْ عَفَا تَعَذَّرَ الْقِصَاصُ لِأَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ وَقَدْ سَقَطَ الْبَعْضُ فَيَسْقُطُ الْبَاقِي ضَرُورَةً، وَإِذَا سَقَطَ انْقَلَبَ نَصِيبُ الْبَاقِي مَالًا لِئَلَّا يَسْقُطَ لَا إِلَى عِوَضٍ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ لِأَنَّ الشَّرْعَ مَا أَوْجَبَهُ عَلَيْهِ كَمَا مَرَّ وَلَا الْتَزَمَهُ فَيَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِغَيْرِ قَصْدٍ مِنَ الْقَاتِلِ فَصَارَ كَالْخَطَأِ، وَلَيْسَ لِلْعَافِي مِنْهُ شَيْءٌ لِسُقُوطِ حَقِّهِ بِعَفْوِهِ.
قَالَ (أَوْ عِنْدَ تَعَذُّرِ اسْتِيفَائِهِ لِشُبْهَةٍ كَقَتْلِ الْأَبِ ابْنَهُ فَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ) وَهَذَا لِأَنَّ الْأَبَ لَا يُقْتَلُ بِابْنِهِ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يُقَادُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ» ، وَلِأَنَّهُ جُزْؤُهُ، فَأُورِثَ شُبْهَةً فِي الْقِصَاصِ فَسَقَطَ، وَإِذَا سَقَطَ الْقِصَاصُ تَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ لِأَنَّهُ عَمْدٌ، وَتَجِبُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ لِمَا يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ: (وَلَا كَفَّارَةَ فِي الْعَمْدِ) لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَمْ يُوجِبْهَا فِيهِ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْهَا وَلَوْ وَجَبَتْ لَذَكَرَهَا كَمَا ذَكَرَهَا فِي الْخَطَأِ وَلِأَنَّهُ كَبِيرَةٌ، وَفِي الْكَفَّارَةِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا وَلَا يُقَاسُ عَلَى الْخَطَأِ فَإِنَّ جِنَايَةَ الْعَمْدِ أَعْظَمُ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ رَفْعِهَا لِلْأَدْنَى رَفْعُهَا لِلْأَعْلَى.
قَالَ: (وَشِبْهُ الْعَمْدِ: أَنْ يَتَعَمَّدَ الضَّرْبَ بِمَا لَا يُفَرِّقُ الْأَجْزَاءَ كَالْحَجَرِ وَالْعَصَا وَالْيَدِ) وَقَالَا: إِذَا ضَرَبَهُ بِحَجَرٍ عَظِيمٍ أَوْ خَشَبَةٍ عَظِيمَةٍ فَهُوَ عَمْدٌ، وَشِبْهُ الْعَمْدِ عِنْدَهُمَا أَنْ يَتَعَمَّدَ الضَّرْبَ بِمَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا كَالسَّوْطِ وَالْعَصَا الصَّغِيرَةِ ; لِأَنَّ مَعْنَى الْعَمْدِيَّةِ قَاصِرَةٌ فِيهِمَا لِمَا أَنَّهُ لَا يَقْتُلُ عَادَةً، وَيُقْصَدُ بِهِ غَيْرُ الْقَتْلِ كَالتَّأْدِيبِ وَنَحْوِهِ فَكَانَ شِبْهَ الْعَمْدِ، أَمَّا الَّذِي لَا يَلْبَثُ وَلَا يَتَقَاصَرُ عَنْ عَمَلِ السَّيْفِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.