. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
وَإِنَّمَا كَانَ مُتَمَسِّكًا بِالصَّحِيحِ مِنْهَا الَّذِي هُوَ عَلَى الْحَقِّ فَلَمْ يَكُنْ يَعْتَقِدُ هَذَا الِاعْتِقَادَ فَيُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنْ يُجَابَ عَنْ ذِكْرِ مُوسَى دُونَ عِيسَى - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - بِأَنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - جَاءَ لِمُوسَى بِشَرِيعَةٍ مُبْتَدَأَةٍ غَيْرِ مَبْنِيَّةٍ عَلَى شَرِيعَةٍ قَبْلَهَا وَكَذَا كَانَ مَجِيئُهُ لِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخِلَافِ عِيسَى فَإِنَّهُ إنَّمَا جَاءَهُ بِشَرِيعَةٍ مُقَرِّرَةٍ لِلشَّرِيعَةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَهِيَ شَرِيعَةُ مُوسَى لَا تُخَالِفُهَا إلَّا فِي يَسِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي قَوْلِ الْجِنِّ الْمُسْتَمِعِينَ لِلْقُرْآنِ {إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى} [الأحقاف: ٣٠] فَذَكَرُوا مُوسَى وَلَمْ يَذْكُرُوا عِيسَى وَهُوَ أَقْرَبُ وَهُوَ نَظِيرُ هَذَا الْحَدِيثِ سَوَاءً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِيَةُ وَالْخَمْسُونَ) قَوْلُهُ «يَا لَيْتَنِي فِيهَا» أَيْ فِي أَيَّامِ النُّبُوَّةِ وَمُدَّتِهَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَيَّامَ الْمُحَارَبَةِ وَالدَّعْوَةِ فَإِنَّهُ قَدْ أَدْرَكَ مَبْدَأَ النُّبُوَّةِ، وَقَوْلُهُ جَذَعًا بِالْجِيمِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ يَعْنِي شَابًّا قَوِيًّا حَتَّى أُبَالِغَ فِي نُصْرَتِك، وَالْأَصْلُ فِي الْجَذَعِ لِلدَّوَابِّ وَهُوَ هُنَا اسْتِعَارَةٌ وَالرِّوَايَةُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا «جَذَعًا» بِالنَّصْبِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاهَانَ فِي مُسْلِمٍ «جَذَعٌ» بِالرَّفْعِ.
وَكَذَلِكَ هُوَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ فِي الْبُخَارِيِّ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ ظَاهِرَةُ التَّوْجِيهِ وَأَمَّا النَّصْبُ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَوْجِيهِهِ، فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَالْمَازِرِيُّ وَغَيْرُهُمَا نُصِبَ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ الْمَحْذُوفَةِ تَقْدِيرُهُ لَيْتَنِي أَكُونُ فِيهَا جَذَعًا وَهَذَا يَجِيءُ عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ (قُلْت) وَاخْتَارَ ابْنُ مَالِكٍ جَوَازَهُ عَلَى قِلَّةٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ وَلَوْ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ
مِنْ لَدُ شَوْلًا ... فَإِلَى ائْتِلَافِهَا
أَيْ مِنْ لَدُنْ كَانَتْ شَوْلًا إلَى أَنْ تَلَاهَا وَلَدُهَا.
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: الظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّهُ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ وَخَبَرُ لَيْتَ قَوْلُهُ: فِيهَا. قَالَ النَّوَوِيُّ وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ الْقَاضِي هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي اخْتَارَهُ أَهْلُ التَّحْقِيقِ وَالْمَعْرِفَةِ مِنْ شُيُوخِنَا وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ.
(الثَّالِثَةُ وَالْخَمْسُونَ) قَوْلُهُ «أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُك قَوْمُك» أَيْ يَضْطَرُّونَك لِلْخُرُوجِ كَمَا وَقَعَ فِي الْهِجْرَةِ إلَى الْمَدِينَةِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُبَاشِرُوا إخْرَاجَهُ بَلْ حَرَصُوا عَلَى عَدَمِ خُرُوجِهِ وَلَكِنَّهُمْ اضْطَرُّوهُ إلَى ذَلِكَ بِمَا فَعَلُوهُ مَعَهُ مِنْ الْأَذَى وَمَنْعِهِ إقَامَةَ الدِّينِ وَعِبَادَةِ رَبِّهِ، وَفِي التَّنْزِيلِ {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ} [محمد: ١٣]
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.