وَمِنْهَا مَا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، كَبُيُوعِ الْآجَالِ، فَنَحْنُ "نَعْتَبِرُ"* الذَّرِيعَةَ فِيهَا، وَخَالَفْنَا غَيْرَنَا فِي أَصْلِ الْقَضِيَّةِ، أَنَّا قُلْنَا بِسَدِّ الذَّرَائِعِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِنَا، لَا أَنَّهَا خَاصَّةٌ بِنَا.
قَالَ: وبهذا تعمل بُطْلَانَ اسْتِدْلَالِ أَصْحَابِنَا عَلَى الشَّافِعِيَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ} ١، وَقَوْلِهِ {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ} ٢ فَقَدْ ذَمَّهُمْ بِكَوْنِهِمْ تَذَرَّعُوا لِلصَّيْدِ يَوْمَ السَّبْتِ الْمُحَرَّمِ عَلَيْهِمْ، لِحَبْسِ الصَّيْدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ.
وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ" ٣ الْحَدِيثَ. وَبِالْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ مُفْتَرِّقَيْنِ، وَتَحْرِيمِهِمَا مُجْتَمِعَيْنِ لِلذَّرِيعَةِ إِلَى الرِّبَا، وَبِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ**: "لا تُقبل شهادة خضم و [لا] ظنين"٤ خَشْيَةَ الشَّهَادَةِ بِالْبَاطِلِ، وَمَنْعِ شَهَادَةِ الْآبَاءِ لِلْأَبْنَاءِ.
قَالَ: وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ هَذِهِ الْأَدِلَّةَ لَا تُفِيدُ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ الشَّرْعِ سَدَّ الذَّرَائِعِ فِي الْجُمْلَةِ، وَهَذَا أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي ذَرِيعَةٍ خَاصَّةٍ، وَهُوَ بُيُوعُ الْآجَالِ وَنَحْوِهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرُوا أَدِلَّةً خَاصَّةً بِمَحَلِّ النِّزَاعِ، وَإِنْ قَصَدُوا الْقِيَاسَ عَلَى هَذِهِ الذَّرَائِعِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ حُجَّتُهُمُ الْقِيَاسَ، وَحِينَئِذٍ فَلْيَذْكُرُوا الْجَامِعَ، حَتَّى يَتَعَرَّضَ الْخَصْمُ لِدَفْعِهِ بِالْفَارِقِ، وَهُمْ لَا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ دَلِيلَهُمُ الْقِيَاسُ.
قَالَ: بَلْ مِنْ أدل مَحَلِّ النِّزَاعِ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّ أَمَةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ: "إِنِّي بِعْتُ مِنْهُ عَبْدًا بِثَمَانِمِائَةٍ إِلَى الْعَطَاءِ وَاشْتَرَيْتُهُ مِنْهُ نَقْدًا بِسِتِّمِائَةٍ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: بِئْسَمَا اشْتَرَيْتِ، وَأَخْبِرِي زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ"٥
قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ ابن رُشْدٍ: وَهَذِهِ الْمُبَايَعَةُ كَانَتْ بَيْنَ أُمِّ وَلَدِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَمَوْلَاهَا قَبْلَ الْعِتْقِ، فيُخرّج قَوْلُ عَائِشَةَ عَلَى تَحْرِيمِ الرِّبَا بَيْنَ السَّيِّدِ وَعَبْدِهِ. مَعَ الْقَوْلِ بِتَحْرِيمِ هَذِهِ الذَّرَائِعِ، وَلَعَلَّ زَيْدًا لَا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَ الرِّبَا بَيْنَ السَّيِّدِ وعبده.
* في "أ": لا نغتفر.** ما بين قوسين ساقط من "أ".
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.