وَتُحْسَبُ مِنْ الْعَقْدِ، وَقِيلَ مِنْ التَّفَرُّقِ، وَالْأَظْهَرُ
ــ
[مغني المحتاج]
خِلَابَةَ «وَأَنْتَ بِالْخِيَارِ فِي كُلِّ سِلْعَةٍ ابْتَعْتَهَا ثَلَاثَ لَيَالٍ» ، وَالْخِلَابَةُ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَمَعْنَاهُ لَا غَبْنَ وَلَا خَدِيعَةَ، فَثَبَتَ خِيَارُ الْمُشْتَرِي بِالنَّصِّ، وَأُلْحِقَ بِهِ الْبَائِعُ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ فَبَقِيَ مَا زَادَ عَلَى الْأَصْلِ، وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ فِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ اشْتِرَاطِ الْخِيَارِ ثَلَاثًا، فَإِذَا كَانَا عَالِمَيْنِ بِمَدْلُولِهَا كَانَ كَالتَّصْرِيحِ بِاشْتِرَاطِ الْخِيَارِ، وَإِنْ كَانَا جَاهِلَيْنِ بِهِ أَوْ أَحَدُهُمَا لَمْ يَثْبُتْ الْخِيَارُ، وَفِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ بَعِيرًا وَاشْتَرَطَ الْخِيَارَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، فَأَبْطَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَيْعَ، وَقَالَ الْخِيَارُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ؛» وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَنْدَفِعُ بِهَا غَالِبًا، فَلَوْ زَادَ عَلَيْهَا بَطَلَ الْعَقْدُ، وَلَا يَخْرُجُ عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ لِوُجُودِ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَهُوَ مُبْطِلٌ لِلْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ يَتَضَمَّنُ غَالِبًا زِيَادَةً فِي الثَّمَنِ أَوْ مُحَابَاةً، فَإِذَا سَقَطَتْ انْجَرَّتْ الْجَهَالَةُ إلَى الثَّمَنِ بِسَبَبِ مَا يُقَابِلُ الشَّرْطَ الْفَاسِدَ فَيَفْسُدُ الْبَيْعُ، فَلِهَذَا لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ فِي الثَّلَاثِ وَيَبْطُلُ مَا زَادَ عَلَيْهَا، وَقَدْ نَبَّهْتُ عَلَى اسْتِثْنَاءِ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، فَإِنْ شَرَطَ الثَّلَاثَ مِنْ الْغَدِ أَوْ فَرَّقَهَا لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ إذَا لَزِمَ لَا يَصِيرُ بَعْدَ ذَلِكَ جَائِزًا، وَيَدْخُلُ فِي الْأَيَّامِ الْمَشْرُوطَةِ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ اللَّيَالِي لِلضَّرُورَةِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَمُقْتَضَى هَذِهِ الْعِلَّةِ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ أَنَّهُ لَوْ عُقِدَ وَقْتَ الْفَجْرِ لَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ فِي اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ بِخِلَافِ نَظِيرِهِ مِنْ مَسْحِ الْخُفِّ، وَعَلَى هَذَا لَوْ بَاعَ نِصْفَ النَّهَارِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ يَوْمًا ثَبَتَ إلَى نِصْفِ الْيَوْمِ الثَّانِي، وَيَدْخُلُ اللَّيْلُ فِي حُكْمِ النَّهَارِ لِلضَّرُورَةِ كَمَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ (وَتُحْسَبُ) الْمُدَّةُ الْمَشْرُوطَةُ (مِنْ) حِينِ (الْعَقْدِ) الْوَاقِعِ فِيهِ الشَّرْطُ كَالْأَجَلِ، فَإِنَّ ابْتِدَاءَهُ مِنْ الْعَقْدِ لَا مِنْ التَّفَرُّقِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اُعْتُبِرَ مِنْ التَّفَرُّقِ لَصَارَ أَوَّلُ مُدَّةٍ الْخِيَارِ مَجْهُولَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ مَتَى يَفْتَرِقَانِ (وَقِيلَ) تُحْسَبُ (مِنْ التَّفَرُّقِ) أَوْ التَّخَايُرِ، وَنَسَبَهُ الْمَاوَرْدِيُّ إلَى الْجُمْهُورِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الشَّارِطَ يَقْصِدُ بِالشَّرْطِ زِيَادَةً عَلَى مَا يُفِيدُهُ الْمَجْلِسُ، وَعُورِضَ بِأَنَّ التَّفَرُّقَ مَجْهُولٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاعْتِبَارُهُ يُؤَدِّي إلَى جَهَالَةِ ابْتِدَاءِ الْمُدَّةِ.
وَلَوْ شُرِطَ الْخِيَارُ بَعْدَ الْعَقْدِ فِي الْمَجْلِسِ وَقُلْنَا بِثُبُوتِهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ، فَالْحُكْمُ عَلَى الثَّانِي لَا يَخْتَلِفُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ تُحْسَبُ مِنْ الشَّرْطِ لَا مِنْ الْعَقْدِ، فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ مِنْ الشَّرْطِ بَدَلًا عَنْ الْعَقْدِ لَدَخَلَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ، وَلَوْ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ الْمَشْرُوطَةُ وَهُمَا فِي الْمَجْلِسِ بَقِيَ خِيَارُهُ فَقَطْ وَإِنْ تَفَرَّقَا وَالْمُدَّةُ بَاقِيَةٌ فَبِالْعَكْسِ، وَيَجُوزُ إسْقَاطُ الْخِيَارَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا، فَإِنْ أَطْلَقَا الْإِسْقَاطَ سَقَطَا، وَلِأَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ الْفَسْخُ فِي غَيْبَةِ صَاحِبِهِ وَبِلَا إذْنِ حَاكِمٍ، لِأَنَّهُ فَسْخٌ مُتَّفَقٌ عَلَى ثُبُوتِهِ بِخِلَافِ الْفَسْخِ بِالْعُنَّةِ.
وَيُسَنُّ كَمَا قَالَ الْخُوَارِزْمِيُّ: أَنْ يُشْهِدَ حَتَّى لَا يُؤَدِّيَ إلَى النِّزَاعِ (وَالْأَظْهَرُ) فِي خِيَارِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.