قِيلَ: هَذَا مِنْ أَسْهَلِ الْأُمُورِ؛ فَإِنَّ التَّعْزِيرَ لَا يَتَقَدَّرُ بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ، بَلْ هُوَ بِحَسَبِ الْجَرِيمَةِ فِي جِنْسِهِ وَصِفَتِهَا وَكِبَرِهَا وَصِغَرِهَا، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَدْ تَنَوَّعَ تَعْزِيرُهُ فِي الْخَمْرِ: فَتَارَةً بِحَلْقِ الرَّأْسِ، وَتَارَةً بِالنَّفْيِ، وَتَارَةً بِزِيَادَةِ أَرْبَعِينَ سَوْطًا عَلَى الْحَدِّ الَّذِي ضَرَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ، وَتَارَةً بِتَحْرِيقِ حَانُوتِ الْخَمَّارِ، وَكَذَلِكَ تَعْزِيرُ الْغَالِّ وَقَدْ جَاءَتْ السُّنَّةُ بِتَحْرِيقِ مَتَاعِهِ، وَتَعْزِيرُ مَانِعِ الصَّدَقَةِ بِأَخْذِهَا وَأَخْذِ شَطْرِ مَالِهِ مَعَهَا، وَتَعْزِيرُ كَاتِمِ الضَّالَّةِ الْمُلْتَقَطَةِ بِإِضْعَافِ الْغُرْمِ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ عُقُوبَةُ سَارِقِ مَا لَا قَطْعَ فِيهِ يُضَعِّفُ عَلَيْهِ الْغُرْمَ، وَكَذَلِكَ قَاتِلُ الذِّمِّيِّ عَمْدًا أَضْعَفَ عَلَيْهِ عُمَرُ وَعُثْمَانُ دِيَتَهُ، وَذَهَبَ إلَيْهِ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَصْنَعُونَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يُضْرَبُ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ» .
قِيلَ: نَتَلَقَّاهُ بِالْقَبُولِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا، فَإِنَّ الْحَدَّ فِي لِسَانِ الشَّارِعِ أَعَمُّ مِنْهُ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ؛ فَإِنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِالْحُدُودِ عُقُوبَاتِ الْجِنَايَاتِ الْمُقَدَّرَةِ بِالشَّرْعِ خَاصَّةً، وَالْحَدُّ فِي لِسَانِ الشَّارِعِ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ؟ فَإِنَّهُ يُرَادُ بِهِ هَذِهِ الْعُقُوبَةَ تَارَةً وَيُرَادُ بِهِ نَفْسَ الْجِنَايَةِ تَارَةً، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا} [البقرة: ١٨٧] وَقَوْلُهُ: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا} [البقرة: ٢٢٩] فَالْأَوَّلُ حُدُودُ الْحَرَامِ، وَالثَّانِي حُدُودُ الْحَلَالِ.
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ حَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا» وَفِي حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ وَالسُّورَانُ حُدُودُ اللَّهِ، وَيُرَادُ بِهِ تَارَةً جِنْسُ الْعُقُوبَةِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُقَدَّرَةً، فَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يُضْرَبُ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ» يُرِيدُ بِهِ الْجِنَايَةَ الَّتِي هِيَ حَقٌّ لِلَّهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَأَيْنَ تَكُونُ الْعَشَرَةُ فَمَا دُونَهَا إذْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْحَدِّ الْجِنَايَةُ؟ .
قِيلَ: فِي ضَرْبِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَعَبْدَهُ وَوَلَدَهُ وَأَجِيرَهُ، لِلتَّأْدِيبِ وَنَحْوَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ؛ فَهَذَا أَحْسَنُ مَا خُرِّجَ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ
[فَصَلِّ الْمُضِيُّ فِي الْحَجِّ الْفَاسِدِ لَا يُخَالِفُ الْقِيَاسَ]
وَأَمَّا الْمُضِيُّ فِي الْحَجِّ الْفَاسِدِ فَلَيْسَ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَ بِإِتْمَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَعَلَى مَنْ شَرَعَ فِيهِمَا أَنْ يَمْضِيَ فِيهِمَا وَإِنْ كَانَ مُتَطَوِّعًا بِالدُّخُولِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، وَإِنْ تَنَازَعُوا فِيمَا سِوَاهُ مِنْ التَّطَوُّعَاتِ: هَلْ تَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ أَمْ لَا؟ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ بِالْإِحْرَامِ أَنْ يَمْضِيَ فِيهِ إلَى حِينِ يَتَحَلَّلُ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ عَنْ الْوَطْءِ، فَإِذَا وَطِئَ فِيهِ لَمْ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.