قَالَ شَيْخُنَا: وَقَدْ تَأَمَّلْتُ مِنْ هَذَا الْبَابِ مَا شَاءَ اللَّهُ فَرَأَيْتُ الصَّحَابَةَ أَفْقَهَ الْأُمَّةِ وَأَعْلَمَهَا، اعْتَبَرُوا هَذَا بِمَسَائِلِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ وَالْعِتْقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَمَسَائِلِ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِالشُّرُوطِ.
فَالْمَنْقُولُ فِيهَا عَنْ الصَّحَابَةِ هُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْقِيَاسُ الْجَلِيُّ، وَكُلُّ قَوْلٍ سِوَى ذَلِكَ فَمُخَالِفٌ لِلنُّصُوصِ مُنَاقِضٌ لِلْقِيَاسِ، وَكَذَلِكَ فِي مَسَائِلَ غَيْرَ هَذِهِ مِثْلَ مَسْأَلَةِ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ وَمَسْأَلَةِ مِيرَاثِ الْمُرْتَدِّ، وَمَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ الْمَسَائِلِ، لَمْ أَجِدْ أَجْوَدَ الْأَقْوَالِ فِيهَا إلَّا أَقْوَالَ الصَّحَابَةِ، وَإِلَى سَاعَتِي هَذِهِ مَا عَلِمْتُ قَوْلًا قَالَهُ الصَّحَابَةُ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ إلَّا كَانَ الْقِيَاسُ مَعَهُ، لَكِنَّ الْعِلْمَ بِصَحِيحِ الْقِيَاسِ وَفَاسِدِهِ مِنْ أَجَلِّ الْعُلُومِ.
وَإِنَّمَا يَعْرِفُ ذَلِكَ مَنْ كَانَ خَبِيرًا بِأَسْرَارِ الشَّرْعِ وَمَقَاصِدِهِ، وَمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ شَرِيعَةُ الْإِسْلَامِ مِنْ الْمَحَاسِنِ الَّتِي تَفُوقُ التَّعْدَادَ، وَمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ مَصَالِحِ الْعِبَادِ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ، وَمَا فِيهَا مِنْ الْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ وَالنِّعْمَةِ السَّابِغَةِ وَالْعَدْلِ التَّامِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، انْتَهَى.
[فَصَلِّ مَسْأَلَةُ الزُّبْيَةِ]
وَمِمَّا أَشْكَلَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ مِنْ قَضَايَا الصَّحَابَةِ وَجَعَلُوهُ مِنْ أَبْعَدِ الْأَشْيَاءِ عَنْ الْقِيَاسِ مَسْأَلَةُ التَّزَاحُمِ، وَسُقُوطِ الْمُتَزَاحِمِينَ فِي الْبِئْرِ، وَتُسَمَّى «مَسْأَلَةُ الزُّبْيَةِ. وَأَصْلُهَا أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ حَفَرُوا زُبْيَةً لِلْأَسَدِ؛ فَاجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى رَأْسِهَا، فَهَوَى فِيهَا وَاحِدٌ، فَجَذَبَ ثَانِيًا، فَجَذَبَ الثَّانِي ثَالِثًا، فَجَذَبَ الثَّالِثُ رَابِعًا، فَقَتَلَهُمْ الْأَسَدُ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ فِي الْجَنَّةِ وَهُوَ عَلَى الْيَمَنِ، فَقَضَى لِلْأَوَّلِ بِرُبْعِ الدِّيَةِ، وَلِلثَّانِي بِثُلُثِهَا، وَلِلثَّالِثِ بِنِصْفِهَا، وَلِلرَّابِعِ بِكَمَالِهَا، وَقَالَ: أَجْعَلُ الدِّيَةَ عَلَى مَنْ حَضَرَ رَأْسَ الْبِئْرِ؛ فَرَفَعَ ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: هُوَ كَمَا قَالَ» رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ، ثنا أَبُو عَوَانَةَ وَأَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ حَنَشٍ الصَّنْعَانِيِّ عَنْ عَلِيٍّ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ: ذَهَبَ أَحْمَدُ إلَى هَذَا تَوْقِيفًا عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ.
وَالصَّوَابُ أَنَّهُ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ وَالْعَدْلِ، وَهَذَا يَتَبَيَّنُ بِأَصْلٍ، وَهُوَ أَنَّ الْجِنَايَةَ إذَا حَصَلَتْ مِنْ فِعْلٍ مَضْمُونٍ وَمُهْدَرٍ سَقَطَ مَا يُقَابِلُ الْمُهْدَرَ وَاعْتُبِرَ مَا يُقَابِلُ الْمَضْمُونَ، كَمَا لَوْ قَتَلَ عَبْدًا مُشْتَرَكًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، أَوْ أَتْلَفَ مَالًا مُشْتَرَكًا أَوْ حَيَوَانًا سَقَطَ مَا يُقَابِلُ حَقَّهُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ مَا يُقَابِلُ حَقَّ شَرِيكِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَكَ اثْنَانِ فِي إتْلَافِ مَالِ أَحَدِهِمَا أَوْ قَتْلِ عَبْدِهِ أَوْ حَيَوَانِهِ سَقَطَ عَنْ الْمُشَارِكِ مَا يُقَابِلُ فِعْلَهُ، وَوَجَبَ عَلَى الْآخَرِ مِنْ الضَّمَانِ بِقِسْطِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَكَ هُوَ وَأَجْنَبِيٌّ فِي قَتْلِ نَفْسِهِ كَانَ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ نِصْفُ الضَّمَانِ وَكَذَلِكَ لَوْ رَمَى ثَلَاثَةٌ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.