وأما مساكن الملك (١) فيهما فنهاية في العظمة، وفرش الرّخام والسّقوف المدهونة وأخصّاء الملك بها الخصيان هم خاصته المقرّبون وهو متوفر في غالب وقته على لذاته، والمتعة في قصوره بجواريه وقيانه، وله أرباب دولة ووظائف، ينحو في أموره منحى صاحب مصر (٢) يتسمع أخباره، ويحاول اقتفاء آثاره في أحواله وأوضاع دولته غير أنه لا يصل إلى هذه الغاية، ولا تخفق عليه تلك الراية لقصور مدد بلاده، وقلة عدد أجناده.
أخبرني أقضى القضاة أبو الربيع سليمان بن محمد (٣) بن قاضي القضاة الصدر سليمان الحنفيّ، وكان قد توجه إلى اليمن وخدم في ديوان الجيش (٤) به أن مجموع جند
(١) الملك المشار إليه هنا كما يلي من السياق هو المجاهد نور الدين علي بن الملك المؤيد المقدم ذكره، ولي الملك بعد وفاة أبيه إلى أن مات في عدن في جمادى الأولى سنة ٧٦٤ هـ/ آذار ١٣٦٣ م مع ما تخلل حكمه من العزل والسجن، ترجمته في: ابن كثير: البداية ١٤/ ٢٣٧، ٢٤٠، ابن بطوطة: ص ٢٤٩ - ٢٥١ (وكان ابن بطوطة قد زار الملك المجاهد وأقام بضيافته أياما)، الخزرجي: العقود ٢/ ١٠٥ - ١٠٧، القلقشندي: صبح ٥/ ٣٠ - ٣١، ووفاته فيه: سنة ٧٦٦ هـ، ابن حجر: الدرر ٣/ ١١٨ - ١٢٠، بامخرمة: تاريخ ثغر عدن، ص ١٧١ - ١٨٣، الشوكاني: البدر الطالع ١/ ٤٤٤ - ٤٤٥، الواسعي: تاريخ اليمن، ص ٢٠، الزركلي: ٤/ ٢٨٦ - ٢٨٧. (٢) يقصد السلطان الناصر محمد بن قلاوون بن عبد الله الصالحي، الملك التاسع من ملوك الأتراك، توفي بالقاهرة في ذي الحجة سنة ٧٤١ هـ/ حزيران ١٣٤١ م، وكان قد تعاقب على ملك مصر ثلاث مرات، ترجمته في: ابن الوردي: تتمة المختصر ٢/ ٤٦٨ - ٤٦٩، الحسيني: ذيل العبر، ص ١٢٤ - ١٢٥، ابن كثير: البداية ١٤/ ١٩، ابن حجر: الدرر ٤/ ٢٦١ - ٢٦٥، السيوطي: حسن المحاضرة ٢/ ١١٢ - ١١٦، ابن العماد: شذرات ٦/ ١٣٤ - ١٣٥، الشوكاني: البدر الطالع ٢/ ٢٣٦ - ٢٣٨، الزركلي: ٧/ ١١. (٣) في ابن حجر (الدرر ٢/ ٢٤٤): سليمان بن داود، ووفاته بالمهجم في اليمن سنة ٧٦١ هـ/ ١٣٦٠ م. (٤) في المصدر نفسه: "فدخل اليمن سنة ٧٤٥ هـ وأقبل عليه صاحب اليمن (الملك المجاهد) وباشر عنده نظر الجيش". قلت: يعني بدخوله اليمن أول مرة، فإنه فارقها فيما بعد، ثم حج في سنة ٧٦٠ هـ، ودخلها ثانية وبها كانت وفاته. أما ديوان الجيش، فهو من الدواوين المهمة، وكانت تتركز فيه كل شؤون الجيش وأصناف الجند وأعدادهم وأعداد خيولهم وأنواعها، كما كان يختص بضبط الإقطاعات الخاصة بالجنود، وبالرواتب التي تصرف لموظفي الدولة، انظر: البقلي: التعريف، ص ١٤٥.