للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

ولم أقصد في المعمورة سوى الممالك العظيمة، ولا خرجت في جهاتها عن الطريق المستقيمة: اكتفاء بالحقّ الواضح، والصدق الظاهر، مما اتصلت بنا حقيقة أخباره، وصحّت عندنا جليّة أحواله.

وقنعت بما بلغه ملك هذه الأمّة، وتمت [٥] بكلمة الإسلام على أهله النعمة، ولم أتجاوز حدّها، ولا مشيت خطوة بعدها، إلا ما جرّه سياق الكلام، أو طارح به شجون الحديث: مما اندرج في أثناء ذلك، أو اضطرت إليه تعريجات السالك، أو اقتضاه سبب، أو دخل مع غيره في ذمّة حسب.

وإن كان في العمر فسحة، وفي الجسم صحّة، وللهمّة نشاط، وللنفس انبساط - وما ذلك على الله بعزيز، ولا من عوائد ألطافه الخفية بعجيب - لأذيلنّ بممالك الكفّار هذا التصنيف، وأجيء بفارسه المعلم وخلفه من سبّيهم رديف.

لكنني لم آت في هذا الكتاب بذكر ممالكهم - على اتساع بلادها - إلا عرضا، ولا سطرت من تفصيلها إلا جملا: توفيرا للمادة، وتيسيرا للجادّة، ولأتمتع برونق الأنوار، ولا أشوب بسواد الليل بياض النهار.

على أنّني ربما ذكرت في مكان ما قاربه من بلاد الكفّار، وذكرته للمجاورة رجاء أن يؤخذ بشفعة الجوار.

ولم أذكر عجيبة حتّى فحصت عنها، ولا غريبة حتّى ذكرت الناقل، لتكون عهدتها عليه، وتبرّأت منها، وقد يقع الإنكار لأكثر الحقائق من الناس: لنقصان العقول، لأن الذي يعرف الجائز والمستحيل، يعلم أن كل مقدور بالإضافة إلى قدرة الله تعالى قليل، وقد وصف الله تعالى الجهّال بعدم العقل، فقال: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ [الفرقان: ٤٤]، وقد أودع الله من عجائب المصنوعات، في الأرض والسّماوات، كما قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ﴾

<<  <  ج: ص:  >  >>