الأعداء لو أنها وجار الثعالب. فلم يزل مناظره معه يتغلب، ويعطيه حلاوة من طرف اللسان ويروغ كما يروغ الثعلب، فلم تعرف له أوقات فراغ، ولا وصف وصف ثعلب ذهب فراغ، فحمد رايته رأيه في مطلع ومغيب، وطلع عليه فقال: صباحك ثعلب ومساك ذيب.
قال ابن خلكان: كان إمام الكوفيين في النحو واللغة، وكان ثقة حجة صالحا مشهورا بالحفظ وصدق اللهجة والمعرفة بالعربية، ورواية الشعر القديم، مقدما منذ هو حدث. وكان ابن الأعرابي إذا شكّ في شيء قال له: ما تقول يا أبا العباس في هذا؛ ثقة بغزارة حفظه.
وكان يقول: نظرت في حدود الفرّاء وسنّي ثماني عشرة سنة وبلغت خمسا وعشرين سنة، وما قرئت عليّ (١) إلا وأنا أحفظها.
وقال أبو بكر بن مجاهد المقرئ (٢)، قال لي ثعلب: يا أبا بكر اشتغل أصحاب القرآن بالقرآن ففازوا، واشتغل أصحاب الحديث بالحديث ففازوا، واشتغل أصحاب الفقه بالفقه ففازوا، واشتغلت أنا بزيد وعمرو، فليت شعري ما ذا يكون حالي في الآخرة، فانصرفت من عنده فرأيت النبي ﷺ في تلك الليلة في المنام فقال لي: أقرئ أبا العبّاس عنّي السلام، وقل له أنت صاحب العلم المستطيل. قال أبو بكر: أراد أن الكلام به يكمل والخطاب به يحمل، وأن جميع العلوم مفتقرة إليه. وكان له شعر. قال أبو بكر بن القاسم الأنباري: انشدني ثعلب ولا أدري هي لغيره أم لا.
[الطويل]
إذا كنت قوت النفس ثم هجرتها … فكم تلبث النّفس التي أنت قوتها
ستبقى بقاء الضبّ في الماء أو كما … يبقّي لدى ديمومة البيد حوتها (٣)
(١) في وفيات الأعيان ورد الآتي: «وما بقيت عليّ مسألة للقرّاء إلاّ وأنا أحفظها»، ١/ ١٠٢. (٢) أحمد بن موسى بن العباس، أبو بكر بن مجاهد من شيوخ القراء، توفي سنة ٣٢٤ هـ. وفيات الأعيان ١/ ١٠٢. (٣) وفيات الأعيان ١/ ١٠٢. وإنباه الرواة ١/ ١٣٨.