للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أَصْحَابى، فلمَّا دَفَعْنَا إلَى عُمرَ نَبَت (*) عَيْنَاه عَنهم ووَقَعَتْ عَيْنَاه عَلَىَّ، فأَشَارَ إلىَّ بِيده فَقَالَ: أَيْن نَزَلتُم؟ قُلْتُ: في مَكانِ كَذا وكَذا، فقالَ: أرِنِى يَدَكَ، فَقَامَ مَعَنَا إلَى مَناخِ رِكَابِنَا فَجَعل يتَخللهَا ببَصره ثُمَّ قال: أَلَا اتقيتُم اللَّه فِى ركابكم هَذِه؟ أَمَا عَلِمْتُم أَنَّ لَهَا عَلَيكُم حَقًّا؟ أَلا تَقَصَّدْتم بها في السَّيرِ؟ أَلَا حَلَلْتُم عَنْهَا فأَكَلتْ مِن نَبْت الأَرْضِ؟ فَقُلْنا: يَا أمير المؤَمنين: إنَّا قَدِمنَا بَفَتْح عَظِيم، فَأَحَبَبْنَا أَنْ نُسْرعَ إلَى أَميرِ المؤمنين وإلَى المُسلِمين بالَّذى يَسُرُّهَم، فَحَانتْ منُه إلتفاتَه فَرأى عَيْبَتِى، فقَالَ هَذِهِ العَيبْةُ؟ قُلتُ: لِى يا أَميرَ المؤمنين. قَال: فَما هَذَا الثَّوبُ؟ قُلتُ: رِدَائِى، قال: بِكم ابتَعْتَهُ؟ فَألقَيتُ ثُلُثَى ثَمَنِهِ، فَقَال: إِنَّ ردَاءكَ هَذَا لحَسَنٌ لَوْلا كثْرةُ ثَمنِه، ثُمَّ انصرَفَ رَاجعًا وَنَحن مَعَه، فَلَقِيهُ رَجلٌ فقَالَ: يا أَميرَ المؤمنين انطلِق معى فَاعْدُنِى علَى فَلان؛ فَإنَّه قَد ظَلَمَنِى فَرفَعَ الدِّرَّة فَخَفَق (* *) بِها عَلى رَأسِه وقَالَ: تَدَعُون أَميرَ المؤمنين وَهُو مُعرِضٌ لكم حَتى إذا شُغِلَ فِى أَمرٍ من أمرِ المُسلمين أتيتموه: أعدُنِى اعْدُنِى! ! فَانَصرف الرَّجُلُ وَهُوَ يَتَذَمَّرُ (* * *) قال: عَلَى الرَّجُل، فألْقى إليه المخْفَقَةَ (* * * *) فَقَال: امْتَثلْ، فَقَال: لَا وَاللَّه وَلَكَن ادَعُها للَّه وَلَك، قَالَ: لَيَس هَكَذا، إِمَّا أَنْ تَدَعَهَا للَّه إرادةَ مَا عِنْدَه أَو تَدَعَها لِى فَأَعْلَم ذَلِك، قال: (أَدعها؟ )، قَال: [فانصرف ثم مضى حتى دخل منزلا ونحن معه فافتتح الصلاة فصلى] ركعتين وَجَلس، فَقَالَ: يَا بْنَ الخطَّابِ كُنْتَ وَضِيعًا فَرفَعَك اللَّه، وَكنْتَ ضَالّا [فهداك اللَّه، وكنت ذليلا


(*) نبت، يقال: بنا عنه بصره ينبو، أَى: تخافى ولم ينظر إليه؛ كأنه حقرهم ولم يرفع بهم رأسه. النهاية ٥/ ١١.
(* *) فخفق، خفقه خفقا -من باب ضرب-: إذا ضربه بشئ عريض كالدرة. المصباح المنير.
(* * *) يتذمر، ومنه حديث موسى -عليه السلام- أنه كان يذمر على ربه، أَبى يجترئ عليه ويرفع صوته في عتابه. النهاية ٢/ ١٦٧.
(* * * *) المخفقة: الدرة. النهاية ٢/ ٥٦.
وما بين الأقواس أثبتناه من الكنز.

<<  <  ج: ص:  >  >>