وقول المؤلف:(سفرًا مباحًا) خرج به المحرم والمكروه، وعلى هذا فلو سافر الإنسان سفرًا محرمًا لم يبح له القصر، لماذا؟ لأن المسافر سفر معصية لا ينبغي له أن يترخص؛ إذ إن الرخصة تسهيل وتيسير على المكلف، والمسافر سفرًا محرمًا لا يستحق أن يسهل عليه ويرخص له، فلهذا منع من رخص السفر، منع من القصر، منع من مسح الخفين ثلاثة أيام، منع من الفطر في رمضان.
ولكن العلاج سهل، ماذا نقول له؟ نقول: تب إلى الله، تب إلى الله واقصر، فإذا كان في منتصف الطريق في السفر المحرم وقال: أستغفر الله وأتوب إليه، رجعت الآن إلى بلدي، في رجوعه هنا يقصر أو لا؟
الطلبة: يقصر.
الشيخ: ليش؟
الطلبة: سفر مباح.
الشيخ: سفر مباح، انقلب السفر المحرم مباحًا، طيب.
وذهب الإمام أبو حنيفة وشيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة كثيرة من العلماء إلى أنه لا تشترط الإباحة لجواز القصر، وأن الإنسان يجوز أن يقصر حتى في السفر المحرم، وقالوا: إن هذا ليس برخصة، بل إن صلاة الركعتين في السفر ليست تحويلًا من الأربع إلى الركعتين، بل هي من الأصل ركعتان، والرخصة هي التحويل من العزيمة أو من الأثقل إلى الأخف، أما صلاة المسافر فهي مفروضة من أول الأمر ركعتين، وعلى هذا فيجوز للمسافر سفرًا محرمًا أن يصلي ركعتين، ولا يشترط على هذا الرأي لا تشترط إباحة السفر.
وهذا القول كما ترون قول قوي؛ لأن تعليله ظاهر، فالقصر منوط بالسفر، على أن الركعتين هما أيش؟ هما الفرض فيه، لا على أن الصلاة حولت من أربع إلى ركعتين، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري وغيره عن عائشة رضي الله عنها، قالت: أول ما فرضت الصلاة ركعتين، ثم سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم فزيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر على ركعتين (١٦).
وحينئذٍ يتبين أن الركعتين في السفر أيش؟ عزيمة، لا رخصة، وعليه فلا فرق بين السفر المحرم والسفر المباح.