للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

الدليل: النوع الثاني من الأدلة التي ذكرناها، وهو فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر صلى ركعتين، ولم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم أنه صلى أربعًا في سفر قط، بل كل أسفاره –الطويلة والقصيرة- كان يصلي ركعتين.

وأما إجماع المسلمين فهذا أمر معلوم بالضرورة، كما قال ابن عمر: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا لا يزيدون على ركعتين في السفر (٢١)، والمسلمون مجمعون على هذا. إذن قصر الرباعية ركعتين ثبت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.

ولكن في دليل الكتاب شيء من التوقف والإشكال؛ وهي أن الله تعالى قال: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} فقيد الله عز وجل هذا بخوف الفتنة من الكفار. والمراد من خوف الفتنة هنا: أن يمنعوكم من إتمام صلاتكم، ولكن هذا الشرط مرتفع بسنة الرسول عليه الصلاة والسلام التي أخبر بها عن ربه؛ فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أشكل عليه هذا القيد فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك؛ قال: يا رسول الله، ما بالنا نقصر ونحن في أمن؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قصر في آمن ما يكون، في أسفاره قصر في حجة الوداع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» (٢٢)، فصارت إباحة القصر في الأمن صدقة تصدق الله بها علينا، وإلَّا فإن الأصل أيش؟ الأصل الإتمام، أن الحضر والسفر سواء، فهذا هو الجواب عن هذا القيد في الآية.

وقال بعض العلماء: إن قصر الصلاة ينقسم إلى قسمين: قصر عدد، وقصر هيئة، فإذا اجتمع الخوف والسفر اجتمع القصران، وإن انفرد أحدهما انفرد بالقصر الذي يلائمه، فإذا انفرد السفر صار القصر بالعدد، وإن انفرد الخوف صار القصر في الهيئة، وإن اجتمعا صار في هذا وفي هذا.

<<  <  ج: ص:  >  >>