وعلى كل حال هذه لا شك أنه مناسبة جيدة وطلب للعلة والحكمة، ولكن الذي يفصل هو السنة، هو قول الرسول عليه الصلاة والسلام:«صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ»(٢٢).
إذن القصر ثبت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، ولا إشكال فيه.
ولكن يقول المؤلف:(سن له قصر رباعية ركعتين) إلى آخره.
ونحن نتكلم أولًا على قوله:(سن) وعلى قوله: (أربعة برد)، وعلى قوله:(سفرًا مباحًا).
أما قوله:(سفرًا مباحًا) فقد تقدم لنا أن من أهل العلم من قال: إن القصر رخصة في السفر مطلقًا، سواء كان مباحا أم محرمًا، وذكرنا أن هذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ومذهب أبي حنيفة.
وقال بعض العلماء: إنه لا قصر إلا في سفر طاعة، كالحج والعمرة والجهاد وزيارة الوالدين وما أشبه ذلك، وأما المباح فلا قصر فيه، وهذا القول في الطرف المقابل لقول من يقول: إنه يقصر حتى في السفر المحرم.
والصحيح ما سبق: أن القصر ثابت في كل سفر إلَّا في السفر المحرم؛ لأننا لو أبحنا له القصر لكان هذا فيه شيء من الإقرار على المعصية التي كان مقيمًا عليها، وحاله تقتضي عكس التخفيف، والمسألة ليست عندي بذاك القوة: أي ترجيح أنه لا بد أن يكون السفر مباحًا.
أربعة البرد: المؤلف اشترط أربعة برد، وهذا يقتضي أن ما دونها ولو بمتر واحد لا يبيح القصر، وما بلغها وتجاوزها فهو قصر ولو قطعه في نصف ساعة؟ إذا اعتبرنا المسافة بالأميال والفراسخ فإن ما دونها ولو بشبر، أنا قلت: بذراع أو بمتر، أقول: بشبر ليس بسفر يترخص فيه، وما زاد عليها فهو سفر يترخص فيه ولو قطعه بنصف ساعة أو أقل، ولو رجع في ساعته، وهذا هو الذي عليه أكثر العلماء.