للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

ولم يتكلم أحد من الصحابة بطلب التحديد للسفر، مع أنهم في الأشياء المجمَلة يسألون عن تفسيرها وبيانها، فلما لم يسألوا عُلِمَ أن الأمر عندهم واضح، وأن هذا معنًى لغوي يرجع فيه إلى ما تقتضيه اللغة.

وإذا كان كذلك ننظر هل للسفر حد في اللغة العربية؟ لا، ما سموه الناس سفرًا فهو سفر.

إذن لم يَرِد عن النبي عليه الصلاة والسلام تحديد السفر بالمسافة، والآثار الواردة عن الصحابة مختلفة اختلافًا عظيمًا، حتى عن الواحد منهم تختلف، أحيانًا يقيد السفر بما يقتضي أن يكون نصف ما قيَّدَه في موضع آخر.

إذا كان لم يَرِد عن الرسول عليه الصلاة والسلام تقييد السفر بالمسافة، وليس هناك حقيقة لغوية تبينه كان المرجع فيه إلى العُرْف.

ويقول شيخ الإسلام رحمه الله: إنه ليس عند النبي صلى الله عليه وسلم في عهده أناس مسَّاحون يمسحون الأرض ويقيسونها بالذراع وبالأصابع، وحبة الشعير، وشعر البرذون؛ لأن هذه المسافة أربعة بُرُد تتحول في النهاية إلى شعرة الفرس.

لأنهم يقولون مثلًا: الميل كذا وكذا ذراعًا، والذراع كذا وكذا قدمًا، والقدم كذا وكذا أصبعًا، والأصبع كذا وكذا حبة الشعير، وحبة الشعير كذا وكذا شعرة، ثم تنزل إلى أن يكون ما بين حبة الرمل وحبة الرمل الأخرى مسافة قصر أو عدم مسافة قصر، وهذا شيء غريب أن يقيَّد بهذا التقييد.

فالصواب أن المرجع في ذلك إلى العرف، وقد ثبت في صحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ، كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج ثلاثة أميال أو فراسخ صلى ركعتين (١)، ثلاثة أميال أو فراسخ -الشك من شعبة- صلى ركعتين، ومعلوم أن ثلاثة فراسخ نسبتها إلى ستة عشر فرسخًا يسيرة جدًّا.

إذن الصحيح أنه لا حَدَّ للمسافة، وإنما يرجع في ذلك إلى العرف، ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: إن المسافة الطويلة في الزمن القصير سفر، والإقامة الطويلة في المسافة القصيرة سفر، فالمسألة لا تخلو من أربع حالات:

<<  <  ج: ص:  >  >>