وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان في أول خلافته إلى ست أو ثمانِ سنين من خلافته كان يصلي ركعتين في منى، ثم صار في آخر خلافته يصلي أربعًا، وكان الصحابة يصلون خلفه مع إنكارهم عليه، حتى إن ابن مسعود لما بلغه أنه صلى أربعًا استرجع وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون (٤).
فلو كان القصر واجبًا أيش؟ ما تابعوه، ما تابعه الصحابة رضي الله عنهم؛ لأنه إذا كان واجبًا فإن الإتمام معصية لله، ولا يمكن أن يتابِع الصحابة عثمان فيما يرونه معصية لله عز وجل.
ولكن هذا الأصل أيضًا ربما يعارَض بما عُورِض به الأصل الأول بأنهم إنما يتابعونه فيصلون أربعًا في صلاة تصلى أربعًا، فلا غرابة أن يدَعُوا الركعتين الواجبتين إلى واجب الاتباع، لا سيما وأنهم لاحظوا معنى آخر، وهو الخلاف بين الناس وبين خليفتهم.
ولهذا لما سُئِل ابن مسعود رضي الله عنه: كيف تصلي مع عثمان أربعًا، يعني وأنت تنكر عليه؟ قال: الخلاف شر (٥). رضي الله عن الصحابة، ما أفقههم وأعمق عِلْمَهُم! يتابعون عثمان في أمر عظيم، زيادة عما هو مشروع بالعدد.
وبعض إخوتنا الذين يرون أنهم مُتَّبِعُون للسلف والسنة يخرجون من المسجد الحرام لئلا يتابعوا الإمام على دعاء الختمة.
وبعضهم لئلا يتابع الإمام على ثلاث وعشرين ركعة، وكأن ثلاثًا وعشرين ركعة من الفسوق والمعصية العظيمة التي يخالف فيها الإمام، ويخرج من المسجد الحرام من أجلها.
وبعضهم يجلس بين الناس ويتحدث إلى أخيه، وربما يجهر بالحديث من أجل أن يشوِّش على هذه الصلاة البِدْعِيَّة، الله أعلم، هل هذا قصدهم أم لا.
على كل حال، أقول: إن هذا من قلة الفقه في الدين، وقلة اتباع السلف والبعد عن منهاجهم، السلف يكرهون الخلاف، وإن اختلفت الأقوال قلوبهم متَّفِقَة، وما أُمِرُوا بالاتفاق فيه فعلوه ولو كانوا لا يرونه، وهذا من فقه الصحابة رضي الله عنهم.