فإذا كان هو الأصلَ نقول: خولِفَ فيما كان أربعةَ أيامٍ بفِعْل الرسول عليه الصلاةُ والسلامُ، فيبقى ما عداه على الأصل؛ وهو المنعُ من الترخُّص، ووجوبُ الإتمامِ، وامتناعُ المسحِ على الخفَّينِ أكثر من يومٍ وليلةٍ، ومنعُ الإفطار في رمضان، المهم جميعُ أحكامِ السفرِ تنقطع إلَّا حكمًا واحدًا فإنه يبقى، وهو صلاة الجمعة؛ فإن صلاة الجمعة تَلْزم هذا الرجل، ولا يصحُّ أن يكون إمامًا فيها، ولا أن يكون خطيبًا فيها، ولا أن يَتِمَّ به العدد على القول باشتراط العدد، فصار هنا مسافرًا من وجْهٍ، مقيمًا من وجْهٍ؛ ففي الجمعة ليس من المقيمين؛ لأنها لا تنعقد به الجمعة، ولا يصحُّ أن يكون إمامًا فيها ولا أن يكون خطيبًا فيها، ولا تسقطُ عنه، بلْ تجب عليه، فيما عدا ذلك حُكْمه حُكْم المقيم، لكنْ في الجمعة لا، هذا ما ذهب إليه المؤلف.
وهذه المسألةُ من مسائل الخلاف التي كثرتْ فيها الأقوالُ؛ فقد زادت الأقوالُ فيها على عشرين قولًا لأهل العلم رحمهم الله، وسببُ ذلك أنه ليس فيها دليلٌ فاصلٌ ينقطع به النزاع، فلهذا اضطربت فيها أقوال أهل العلم، فأقوال المذاهب المتبوعة هي:
أولًا: مذهب الحنابلة رحمهم الله؛ المشهور عندهم أنه إذا نَوَى إقامة أكثر من أربعةِ أيامٍ انقطعَ حُكم السفر في حقِّه ولَزِمه الإتمامُ، لكنْ لا ينقطع بالنسبة للجمعة؛ لأن الجمعة يُشترط فيها الاستيطانُ، وهذا غيرُ مستوطِن. وبناءً على هذا القول ينقسم الناس إلى: مسافرٍ، ومستوطِنٍ، ومقيمٍ غيرِ مستوطِنٍ.
المسافرُ أحكامُ السفرِ في حقِّهِ ثابتةٌ.
والمستوطِنُ أحكامُ الاستيطان في حقِّه ثابتةٌ، ولا يُستثنى من هذا شيءٌ.
والمقيمُ غيرُ المستوطِن تثبتُ في حقِّه أحكامُ السفر من وجْهٍ وتنتفي من وجْهٍ آخر.