ولكنْ إذا رجعنا إلى ما يقتضيه ظاهرُ الكتابِ والسُّنةِ وجدْنا أن القول الذي اختاره شيخ الإسلام رحمه الله هو القول الصحيح؛ وهو أن المسافرَ مسافرٌ، سواء نَوَى إقامةَ أكثر من أربعةِ أيامٍ أو دونها؛ وذلك لعموم الأدلَّة الدالَّة على ثبوتِ رُخَصِ السفرِ للمسافر بدون تحديدٍ؛ لم يحدِّد النبي عليه الصلاة والسلام، بلْ لم يحدِّد اللهُ في كتابه ولا رسولُه صلى الله عليه وسلم المدةَ التي ينقطع بها حُكم السفر؛ ففي القرآن:{وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ}[النساء: ١٠١]، {إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ} وهذا عامٌّ يشمل كلَّ ضاربٍ، ومن المعلوم أن الضربَ في الأرض أحيانًا يحتاج إلى مدَّةٍ؛ قال الله تعالى:{وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ}[المزمل: ٢٠]، فالذين يضربون في الأرض للتجارة -مَثَلًا- هل التاجر يكفيه أن يُقيم أربعةَ أيامٍ فأقلَّ في البلد؟
ربما يكفيه وربما لا يكفيه، قد يكفيه يومٌ واحدٌ يُصفِّي ويمشى، وقد تكون السلعة ثقيلة المشي يتأخر أربعة أيامٍ، خمسةَ أيامٍ، عشرةَ أيامٍ، وقد يكون هو يطلبُ سلعةً لا تَحْصل في أربعة أيام يجمعها من هنا وهناك، فعلى كلِّ حالٍ الآيةُ عامَّة؛ {إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ}.