ثم إننا إذا تأمَّلنا القولَ بأنه تنقطع أحكامُ السفر إذا نوى إقامةَ أكثر من أربعة أيامٍ وجدْنا هذا القول متناقضًا، وجْهُ التناقض ذكرناه قبل قليلٍ؛ أنه في الجمعة في حُكم المسافرين، وفي غير الجمعة في حُكم المقيمين، أين هذا التفصيل؟ ! فمِثْل هذه الأمور تحتاج إلى دليلٍ وتوقيفٍ، ولهذا ما أَحْسنَ قولَ صاحبِ المغني رحمه الله لَمَّا ذكر أن تحديد السفر بالمسافة مرجوحٌ؛ قال: إن التحديد توقيفٌ، حدٌّ من حدود الله يحتاج إلى دليلٍ، فأيُّ إنسانٍ يحدِّد شيئًا أطْلقه الشارعُ فعليه الدليل، أيُّ إنسانٍ يخصِّص شيئًا عمَّمَه الشارعُ فعليه الدليل. لماذا يا إخوان؟ لأن التقييد زيادةُ شرطٍ، والتخصيص أيضًا إخراجُ شيءٍ من نصوص الشارع، ولا يحلُّ لأحدٍ أن يُضيف إلى ما أطْلقه الشارع شرطًا، ولهذا قلنا في المسح على الخفَّينِ: الصحيح أنه لا يُشترط فيه ما اشترطه الفقهاء من كونه ساترًا لمحلِّ الفرض بحيثُ لا يتبيَّن فيه ولا موضع الخَرْز، وقُلنا: إن ما سُمِّي خُفًّا فهو خُفٌّ، سواءٌ كان مُخرَّقًا أو كان رقيقًا أو ثخينًا أو سليمًا؛ لأن الشرع إذا أَطْلق شيئًا فلا يحلُّ لنا أن نقيِّده، كما أنه إذا عمَّمَ شيئًا لا يحل لنا أن نُخرِج بعضَ أفراده بتخصيصٍِ إلا بدليل، ولنا في هذه المسألة رسالةٌ كتبناها أظن في عامِ ألْفٍ وأربعِ مئةٍ وخمسةٍ تقريبًا، ربما -إن شاء الله- نقرؤها في الدرس القادم لأنها مفيدةٌ جدًّا، وتُبيِّن مَن اختارَ هذا القولَ من العلماء؛ اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، شيخنا عبد الرحمن بن سعدي، الشيخ محمد رشيد رضا، وبعضُ الإخوان المتخرِّجين من الجامعة الإسلامية كتبوا في هذا مُؤَلَّفًا، وعلى كلِّ حالٍ نحن لا نعرف الحقَّ بكثرة الرجال، إنما نعرف الحقَّ بموافقة الكتاب والسُّنة.