لا بد أن يكون هناك دليل، دليله يقول: قال أحمد: بعث النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير إلى أهل المدينة، فلما كان يوم جمعة جمَّع بهم وكانوا أربعين، وكانت أول جمعة جمعت بالمدينة (١)، هذا الحديث هذا دليله أن الرسول عليه الصلاة والسلام بعث مصعب بن عمير رضي الله عنه إلى أهل المدينة، فجمَّع بهم وكانوا أربعين.
ولكن إن صح هذا الأثر فإنه لا يصح الاستدلال به؛ وذلك لأن بلوغهم هذا العدد وقع اتفاقًا لا قصدًا؛ يعني: أمروا أن يجمعوا فجمعوا فإذا هم أربعون، لم يقل: إنهم أمروا أن يجمعوا فلما بلغوا أربعين أقاموا الجمعة، لو كان لفظ الحديث هكذا لكان فيه شيء من الاستدلال.
أما أمروا بالتجميع فجمعوا فإذا هم أربعون، فهذا لا يدل أبدًا على أن هذا شرط، ليش؟ لأنه وقع اتفاقًا، لا قصدًا، اتفاقًا يعني: وافق العدد هكذا وليس هذا عن قصد.
دليل آخر قال جابر: مضت السنة أن في كل أربعين فما فوق جمعة وأضحى (٢)، هذا لو صح الحديث لكان دليلًا؛ لأنه قال: إن في كل أربعين جمعة وأضحى وفطرًا، ولكن هذا الحديث لا يصح، هذا غير صحيح.
وبهذا عرفنا أن دليل المؤلف إما صريح غير صحيح مثل حديث جابر: مضت السنة، وإما صحيح غير صريح، مثل حديث مصعب بن عمير، والحديث الذي تثبت به الأحكام لا بد أن يكون صحيحًا وصريحًا؛ لا بد أن يكون صحيحًا لأن الضعيف ليس بحجة، بل ولا مقبول، كما هو معروف من علم المصطلح، صريح لأن غير الصريح يكون محتملًا، ومن القواعد المقررة عند العلماء في الاستدلال أنه إذا وجد الاحتمال سقط الاستدلال، وعلى هذا فاشتراط الأربعين لإقامة الجمعة غير صحيح؛ لأن ما بني على غير صحيح فليس بصحيح.