للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

هذا في مكة، فما بالك بالمشاعر التي يَتَحَتَّم على الإنسان أن يبقى فيها، يكون بيعها من باب أولى بالتحريم؛ ولهذا لا شك أن الذين بنوا في منى أو في مزدلفة أو في عرفة، لا شك أنهم غاصبون وآثمون؛ لأن هذا مشعر، لا بد للمسلمين من المكوث فيه، فهو كالمساجد؛ لو جاء إنسان إلى مسجد جامع كبير وبنى له غرفة في المسجد، وصار يؤجِّرها، ماذا يكون؟ يكون حرامًا، الآن منى مشعر، يجب على المسلمين أن يَبْقَوا فيها، والمبيت فيها واجب من واجبات الحج، فإذا جاء إنسان وبنى فيها وصار يؤجرها على الناس فهو لا شك غاصب آثم ظالم، ولا يحل له ذلك، وهو أشد إثمًا ممن يبيع المساكن في مكة؛ لأن المساكن في مكة لا يلزم الإنسان أن يبقى في مكة؛ إذ يجوز أن يخرج بره وينزل.

قول المؤلف: (ولا يُباع غير المساكن مما فتح عَنوة)، يؤخذ منه أنه يجوز بيع المساكن مما فُتِحَ صلحًا.

طالب: بيع الأرض.

الشيخ: بيع الأرض والمساكن مما فتح صلحًا، وهو كذلك، وذلك أن أرض العدو إما أن تُفْتَح عَنوة، وإما أن تفتح صلحًا على أنها لهم ونقرها معهم بالخراج، وإما أن تفتح صلحًا على أنها لنا، فإن كانت لهم فهي ملكهم، يتصرفون فيها، وإن كانت لنا فهي ملكنا نتصرف فيها، هذا إذا كانت صلحًا، أما العَنوة فقد عرفتم حكمها.

قال: (ولا يصح بيع نقع البئر) هذا أيضًا لا يصحُّ بيعه؛ بيع نقع البئر، ما هو نقع البئر؟ هو الماء الذي في البئر الذي نبع من الأرض، فلا يجوز بيع هذا الماء، لماذا؟ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: الْمَاءِ، وَالْكَلَأِ، وَالنَّارِ» (٤)؛ ولأن هذا الماء لم يخرج بقدرة الإنسان، بل بقدرة الله عز وجل، قد يحفر الإنسان بئرًا عميقًا ولا يخرج الماء، فليس من كَدِّه ولا فعله، هو سبب، فلذلك لا يملكه، وإذا كان لا يملكه فإنه لا يصح بيعه، عرفتم؟

أما إذا ملكه وحازه وأخرجه ووضعه في البِركة، فإنه يجوز بيعه؛ لأنه صار ملكًا له بالحيازة.

<<  <  ج: ص:  >  >>