للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

ثم قال المؤلف: (وأن يكون مقدورًا على تسليمه) يعني: يشترط أن يكون المبيع مقدورًا على تسليمه؛ يعني أن يقدر على تسليمه، ودليل هذا الشرط أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن بيع الغرر (٥)، أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة، والذي لا يُقْدَر على تسليمه غرر لا شك، إذ قد يبذل المشتري الثمن ولا يستفيد، وربما نستدل لذلك أيضًا بقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} [المائدة: ٩٠]، والذي لا يُقدَر على تسليم بيعه من الميسر؛ ووجه ذلك أن بيع ما لا يقدر على تسليمه سيكون بأقل من ثمنه الحقيقي، صح ولَّا لا؟ لأن المشتري مخاطر، قد يحصل عليه وقد لا يحصل، فإذا قُدِّر أن هذا الذي لا يقدر على تسليمه يساوي مئة لو كان مقدورًا على تسليمه فسيباع إذا كان لا يقدر على تسليمه بكم؟ بخمسين، يبقى المشتري الآن إما غانم وإما غارم، إن قدر عليه فهو غانم، وإن فاته فهو غارم، وهذه هي قاعدة المَيْسِر.

إذن لنا أن نستدل على اشتراط هذا الشرط بدليل من القرآن والسنة؛ من القرآن لدخوله في الميسر، ومن السنة لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن بيع الغرر.

ونستدل أيضًا عليه بالنظر الصحيح، وهو أن المسلمين يجب أن يكونوا قلبًا واحدًا متآلفين متحابين، وهذا البيع يوجب أيش؟ البغضاء والتنافر؛ وذلك أن المشتري لو حصل عليه لكان في قلب البائع شيء؛ يغبطه ويحسده، ولو لم يقدر عليه لكان في قلب المشتري شيء؛ يغبط البائع ويحسده، وكل ما أدى إلى البغضاء والعداوة فإن الشرع يمنعه منعًا باتًّا؛ لأن الدين الإسلامي مبني على الألفة والمحبة والموالاة بين المسلمين.

فصار الدليل على اشتراط هذا الشرط القرآن، والسنة، والنظر الصحيح.

<<  <  ج: ص:  >  >>