ثم قال رحمه الله: الشرط الخامس: (أن يكون مقدورًا على تسليمه)؛ الضمير في قوله:(يكون) يعود على المعقود عليه، سواء كان الثمن أم المثمَن، (أن يكون مقدورا على تسليمه) أي: أن يكون كل من المتعاقدين قادرًا على تسلُّم أو تسليم ما انتقل من ملكه أو إلى ملكه؛ ودليل هذا: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}[النساء: ٢٩]، ووجه الدلالة أن ما يُعْجَز عن تسليمه لا يرضى به الإنسان غالبًا، ولا يُقْدِم عليه إلا رجل مخاطر، قد يحصل له ذلك، وقد لا يحصل، ومن السنة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن بيع الغرر (٥)، وهذا غرر، ووجه كونه غررًا أن المعجوز عن تسليمه لا بد أن تنقص قيمته، وحينئذ إن تمكن المشتري من تسلُّمِه صار غانمًا، وإن لم يتمكن صار غارمًا، وهذا هو الغرر.
ومن المعنى -يعني التعليل- أن هذا يؤدي إلى الخلاف والنزاع والعداوة والبغضاء والحيل، فكان من الحكمة أن يُسَدَّ هذا الباب.
ضد المقدور عليه هو: المعجوز عنه، وفرَّع المؤلف على ذلك قوله:(فلا يصح بيعُ آبق وشارد) الآبق: هو العبد الهارب من سيده، والشارد: هو الجمل الشارد من صاحبه، فبيع الآبق لا يصح، سواءٌ عُلِمَ خبره أم لم يعلم؛ لأنه غير مقدور على تسليمه، البائع لا يستطيع أن يسلمه للمشتري، حتى لو علمنا خبره وأنه أَبَق إلى البلد الفلاني؛ لأن العثور عليه يصعب، لا سيما مع ضعف السلطان وعدم استتباب الأمن وعدم الضبط فإنه لا شك يصعب جدًّا أن يناله المشتري.