ومِن في قوله:{مِنْ أَحَدٍ} مزيدة لتوكيد النفي، وليست كالتي في قولك: ما جاءني من رجل؛ لأنَّ من ها هنا أفادت معنى الاستغراق، فهي مزيدة لفظًا لا معنى، وفي قولك: ما جاءني من أحد أفادت معنى التوكيد ليس إلَّا، والمعنى: ما عملها قبلكم أحد.
و{مِنَ الْعَالَمِينَ}: في موضع الصفة لأحد. والجملة في محلّ النصب على الحال إمّا من {الْفَاحِشَةَ}، أو من الضمير في قوله:{أَتَأْتُونَ}، وقد جوز أن تكون مستأنفة؛ على أنَّه أنكر عليهم أولًا بقوله:{أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ}، ثمَّ وبخهم عليها فقال: أنتم أول من عملها، أو على أنَّه جواب لسؤال مقدر، كأنهم قالوا له: لم لا تأتيها؟ فقال:{مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ}، فلا تفعلوا شيئًا لم يفعله أحد (٢).
قوله - عز وجل -: {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ}(٣) بيان وتفسير للفاحشة، كما أن قوله:{لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ}(٤) بيان وتفسير للوصية، والهمزة مثلها في {أَتَأْتُونَ}(٥) للإِنكار والتوبيخ.
وقرئ:(إنكم)(٦) على الخبر؛ لأنَّ الاستفهام في الجملة الأولى وهي
= تخفيفها، هو ابن محصن من السابقين إلى الإِسلام، وكان من أجمل الرجال، هاجر - رضي الله عنه - وشهد بدرًا، واستشهد في قتال الردة. (١) الكشاف ٢/ ٧٣. (٢) اقتصر الزمخشري ٢/ ٧٣ على هذا الوجه الثاني، ولم يذكر العكبري ١/ ٥٨١ إلا الأوّل. (٣) قرأ أكثر العشرة بهمزتين على تفصيل. (٤) سورة النساء، الآية: ١١. (٥) من الآية السابقة. (٦) قرأها المدنيان، وحفص عن عاصم، بهمزة واحدة مكسورة. انظر فيها وفي القراءة التي قبلها: السبعة ٢٨٥ - ٢٨٦. والحجة ٤/ ٤٢ - ٤٤. والمبسوط / ٢١٠/. والكشف ١/ ٤٦٨.