للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

فإنه أنشده بحضرتها، فقام إليه الخدم ليضربوه - لقوله: تعطين من رجليك - "فمنعتهم، وقالت: إنه قصد مدحًا، وأراد ما يقول الناس: شمالُك أجودُ من يمينه (١) فظن أنه إذ ذكر الرِّجْل كان أبلغ، وقد حمدنا ما نواه وإن أساء فيما أتاه". (٢)


(١) تُشير إلى نحو قول النابغة مخاطبًا عمرو بن الحارث الغساني ملك الشام ومفضلًا له على النعمان بن المنذر اللخمي ملك الحيرة (كتاب الأغاني): "فوالله لَشِمالُك خيرٌ من يمينه، ولقفاك خيرٌ من وجهه. . ." إلخ. - المصنف. قلت: في ذلك حكاها حسان بن ثابت قال: "قدمت على عمرو بن الحارث فاعتاص الوصول علي إليه، فقلت للحاجب بعد مدة: إن أذنت لي عليه وإلا هجوت اليمن كلها ثم انقلبت عنكم. فأذن لي فدخلت عليه، فوجدت عنده النابغة وهو جالس عن يمينه، وعلقمة بن عبدة وهو جالس عن يساره، فقال لي: يا ابن الفريعة، قد عرفت عيصَك ونسبك في غسان، فارجع فإني باعثٌ إليك بصلة سنية، ولا أحتاج إلى الشعر، فإني أخاف عليك هذين السبعين: النابغة وعلقمة، أن يفضحاك، وفضيحتك فضيحتي، وأنت والله لا تحسن أن تقول:
رِقَاقُ النِّعَالِ، طَيِّبُ حُجُزَاتُهُمْ ... يُحَيَّوْنَ بِالرَّيْحَانِ يَوْمَ السَّبَاسِبِ
فأبيت وقلت: لا بد منه. فقال: ذاك إلى عميك. فقلت لهما: بحق الملك إلا قدمتماني عليكما. فقالا: قد فعلنا. فقال عمرو بن الحارث: هات يا ابن الفريعة، فأنشأت:
أَسَالتَ رَسْمَ الدَّارِ أَمْ لَمْ تَسْأَلِ ... بَيْنَ الحوَانِي فَالبُضَيعِ فَحَوْمَلِ
فقال: فلم يزل عمرو بن الحارث يزحل عن موضعه سرورًا حتى شاطر البيت وهو يقول: هذا وأبيك الشعر، لا ما تعللاني به منذ اليوم! هذه والله البتارة التي قد بترت المدائح. . ."، "ثم أقبل على النابغة فقال: قم يا زياد فهات الثناء المسجوع، فقام النابغة فقال: ألا انعم صباحًا أيها الملك المبارك، السماء غطاؤك، والأرض وطاؤك، ووالداي فداؤك، والعرب وقاؤك، والعجم حماؤك، والحكماء جلساؤك، والمداره سمارك، والمقاول إخوانك، والعقل شعارك. . . . أيفاخرك المنذر اللخمي؟ فوالله لقفاك خير من وجهه، ولشمالك خير من يمينه، ولأخمَصُك خير من رأسه، ولخطاؤك خير من صوابه، ولصمتك خير من كلامه، ولأمك خير من أبيه، ولخدمك خير من قومه. فهب لي أسارى قومي، واسترهن بذلك شكري؛ فإنك من أشراف قحطان، وأنا من سروات عدنان. فرفع عمرو رأسه إلى جارية كانت قائمة على رأسه وقال: بمثل هذا فليثن على الملوك، ومثل ابن الفريعة فليمدحهم! وأطلق له أسرى قومه". الأصفهاني: الأغاني، ج ٥/ ١٥، ص ٥٨٦ - ٥٨٧ (نشرة الحسين).
(٢) الراغب الأصفهاني: محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والأدباء، ج ١، ص ١٢٢. وأصل القصة كما رواها المرزباني: "أخبرني محمد بن يحيى، قال: حدثني عون بن محمد الكندي، قال: حدثني الجاحظ سنة ثلاثين ومائتين، قال: حدثني أبو نواس أنه غاب عن بغداد، فقدم إليه رجل، فقال له: هل من خبر؟ فقال: نعم، أنشد بعض الشعراء مدحًا في زبيدة وهي تسمع، فقال"، وذكر =

<<  <  ج: ص:  >  >>