للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث / الرقم المسلسل:

(وَإِنَّما لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيكَ) قال الطيبيّ رحمه الله تعالى: ذلك أن أهل الجاهليَّة كانوا أصحاب حروب وغارات، ولا يأمن بعضهم بعضًا في المسالك والمراحل إلا في الأشهر الحرم؛ لأنهم كانوا يكفّون فيها عن الانتهاك، والانتهاب؛ تعظيمًا لها وتسهيلًا للأمر على زوّار البيت. انتهى (١).

(إِلَّا في شَهْرِ الْحَرَامِ) هكذا الرواية عند المصنّف بالإضافة، وقد تقدّم (٢) أنه من إضافة الشيء إلى نفسه، كمسجد الجامع، ونساء المؤمنات، وتقدّم توجيهه، والمراد بشهر الحرام الجنس، فيشمل الأربعة الحُرُم، ويؤيده رواية البخاريّ في "كتاب المغازي" بلفظ: "إلا في أشهر الْحُرُم"، وفي رواية له في "كتاب المناقب" بلفظ: "إلا في كل شهر حرام"، وقيل: اللام للعهد، المراد شهر رجب، وفي رواية للبيهقيّ التصريح به، وكانت مضر تبالغ في تعظيم شهر ربا، فلهذا أُضيف إليهم في حديث أبي بكرة - رضي الله عنه - حيث قال: "ورجب مضر"، كما سيأتي - إن شاء الله تعالى - والظاهر أنهم كانوا يخصّونه بمزيد التعظيم مع تحريمهم القتال في الأشهر الثلاثة الأخرى، إلا أنهم ربّما أَنْسَأُوهَا بخلافه، قاله في "الفتح" (٣).

(فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ) هو بتنوين "أمرٍ"، قال الخطّابيّ وغيره: هو الْبَيِّن الواضح الذي ينفصل به المراد، ولا يشكل، قاله النوويّ، وقال في "الفتح": بالتنوين فيهما، لا بالإضافة، والأمرُ واحد الأوامر، أي مُرْنا بعمل، بواسطة افعلوا، ولهذا قال الراوي: أمرهم، وفي رواية للبخاريّ: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "آمرُكُم"، و"الفصلُ" بمعنى الفاصل، كالعدل بمعنى العادل، أي يَفْصِل بين الحق والباطل، أو بمعنى الْمُفَصَّل، أي الْمُبَيَّن المكشوف، حكاه الطيبيّ، وقال الخطابيّ: الفصلُ الْبَيِّنُ، وقيل: الْمُحْكَمُ. انتهى.

وقال القرطبيّ: القول الفصل: هو الواضح البليغ الذي يفصل بين الحقّ والباطل، كما قال تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣)} [الطارق: ١٣] (٤).


(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٤٦٠.
(٢) انظر ص ٣٤٠.
(٣) "الفتح" ١/ ١٦٠.
(٤) "المفهم" ١/ ١٧٤.