ما ذكره فيهما أن ابن القاسم روى عن مالك أنهما لا يعملان بذلك فإن اصطلحا وإلا شهدا بما سمعا، وبه قال الأخوان وروى عنه ابن نافع أنه قال: لا أرى من امتناعهما من الشهادة بأسا. قال الحطاب بعد هذا: وما ذكره الباجي عن الشيخ أبي إسحاق فالظاهر أنه اختيار منه لرواية ابن نافع، فعلى ما فهمه منه الحطاب لا شاهد فيه للزرقاني، لكن بحث بعض المحققين وهو أبو العباس الملوي فيما قاله الحطاب بأن ابن نافع روى: لا بأس بامتناعهما، فمقتضاه أن شهادتهما جائزة بل مقتضاه أن امتناعهما مرجوح لأن لا بأس تستعمل لا غيره أفضل منه؛ وأبو إسحاق وصاحب المسائل الملقوطة قالا: لا تجوز شهادتهما. اهـ. وهو كما قال. قلت: المظاهر أن شهادة المصلح كشهادة الخاطب فيكون فيها ثلاثة أقوال، ويكون الصواب جوازها. والله أعلم. اهـ كلام الرهوني. وقوله:"ولا مفت على مستفتيه" أي لا تجوز تلك الشهادة ولو شهد لم تنفع شهادته. قاله ابن المواز.
ولا إن شهد باستحقاق وقال أنا بعته له يعني أنه إذا شهد باستحقاق ثوب أو دابة أو دار أو غير ذلك لزيد مثلا، وقال مع ذلك: أنا بعته له أي لزيد فإن هذه الشهادة لا تصح، لأن الملك لا يثبت بالشراء حتى تشهد البينة بالملك للبائع.
تنبيه: قال عبد الباقي: ولا إن شهد باستحقاق وقال أنا بعته له أي للمشهود له فلا تصح لاتهامه على رجوع المشتري عليه بالثمن لو لم يشهد له، ولذلك لو أبدله بوهبته له أو تصدقت به عليه صحت لانتفاء الرجوع عليه إن لم يشهد. انتهى.
قوله: ولذلك لو أبدل بعته لخ، قال البناني: مثله في الخرشي وأصله للأجهوري عن بعض شيوخه، وقد بنوه على تعليل عدم القبول بتهمة دفع الرجوع على نفسه بالثمن إن لم يشهد وهو غير مسلم، فإن المسألة أصلها لابن أبي زيد، والنقل عنه يدل على أن العلة هي أن الملك لا يثبت بالشهادة بمجرد الشراء؛ لأن الملك لا يثبت بالشراء حتى تشهد البينة بالملك للبائع، فهو إذا قال: أنا بعته أو وهبته فقد شهد لنفسه بملك ذلك الشيء وذلك لا يصح، وحينئذ لا فرق بين بعته أو وهبته. انظر ابن مرزوق وغيره. اهـ.