وتعين عليه الأداء، فإنه إذا انتفع بشيء من المشهود له على أداء شهادته يكون ذلك رشوة قادحة في عدالته، فلا تقبل شهادته لأنه أخذ أجرا على أداء واجب عليه فهو بمنزلة من أخذ على الصلاة أجرا لا يجوز، أما إن لم يمتنع ودفع له المشهود له من غير طلب فليس بجرح. اهـ. ونحوه لعبد الباقي، فإنه قال: وإن اتنفع من تعين عليه الأداء بأن امتنع منه إلا بأخذ شيء فجرح يمنع قبول شهادته لأخذه رشوة على أداء واجب عليه، وأما إن انتفع بشيء دفعه له المشهود له من غير طلب ولا امتناع بعد أداء الشهادة فليس بجرحة. قاله التتائي.
قوله: بأن امتنع منه إلا بأخذ شيء لخ تبع فيه ما نقله بعد عن التتائي من أنه إن انتفع بشيء من غير طلب ولا امتناع لم يكن جرحة قال مصطفى: وهو مخالف لإطلاق الأئمة في الانتفاع كابن رشد وابن شأس وابن الحاجب وابن عرفة وغير واحد، ولم يفصلوا تفصيله وعلى الإطلاق قرره ابن مرزوق، وإن كان التقييد بالامتناع وقع في الرواية عن سحنون فلا عبرة به لأنه وقع في السؤال، ولم يعول عليه ابن رشد في شرحه. اهـ. وقال ابن مرزوق: يعني أن الشاهد إن انتفع من المشهود له بسبب الشهادة التي أداها له من المكان الذي يلزمه الأداء منه، فإن ذلك الانتفاع الذي حصل له جرح يوجب سقوط شهادته، فقوله:"جرح" خبر مبتدإ محذوف تقديره فهو، وهو عائد على الانتفاع المفهوم من انتفع، ودل على أن هذا الحكم إنما هو فيما قرب من المسافة، بدليل قوله بعد:"لا كمسافة".
إلا ركوبه لعسر مشيه وعدم دابته يعني أن كل ما انتفع به على الشهادة من المسافة القريبة يوجب الجرح إلا ركوبه على دابة المشهود له إن عسر مشي الشاهد وعدم دابة له يركبها، فإنه يجوز له حينئذ أن ينتفع بركوب دابة المشهود له ولا يكون جرحا، وظاهره أنه إن انتفع بغير الدابة كالنفقة فإن ذلك جرح، وإن كان الشاهد لا يقدر على ذلك وقدمنا من نقل المتيطي خلافه، وسيأتي أيضا ذلك في نقل الباجي وابن يونس والنوادر والعتبية، وإنما تبع المص ابن الحاجب وابن شأس اهـ. وقال عبد الباقي: واستثنى من قوله: "فجرح إلا ركوبه لعسر مشيه وعدم دابته"