للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ولقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ}، فإن لم يجد الشاهد نفقة ولا مركوبا فللمشهود له أن يقوم بهما، ووجهه أنه مؤونة لا تلزم الشاهد فلا تبطل شهادته بتكلف الشهود له ذلك كسائر نفقاته، وكذلك لو استنهض الشهود إلى مسافة بعيدة ليعاينوا حدود أرض وصفتها، قال مطرف: لا بأس أن يركبهم المشهود له ويطعمهم، وقال سحنون في الشاهد يأتي من البادية فينزل في ضيافة المشهود له حتى يخرج: لا ترد شهادته بذلك إن كان عدلا وهو خفيف، يريد أن هذا أمر معتاد عند الناس، ولَعَلَّ ذلك كان بينهم قبل ذلك. انتهى. وقال سحنون: إن دعوا إلى شهادة بغير البلد فقالوا يشق علينا النهوض فيركبهم المشهود له أو ينفق عليهم إن كانوا على مثل البريد أو البريدين وهم يجدون الدواب والنفقة سقطت شهادتهم، وإن كانوا لا يجدون ذلك جاز وقبلوا ولو أخبر بذلك القاضي لكان أحسن. اهـ. وفي العتبية مثله. ابن رشد: الأصل في هذا قوله تعالى: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}، ومعناه بالإجماع فيما قرب لا فيما بعد، وهو من تخصيص عموم القرآن بالإجماع، فإن انتفع الشاهد بشيء من المشهود له في المسافة التي يلزمه الأداء منها سقط، وخففه ابن حبيب إذا كان قريبا وكان أمرا خفيفا، وينبغي أن يجعل تفسيرا لقول سحنون: والقرب الذي يلزم الأداء منه على هذا التأويل قسمان: قريب جدا تقل فيه مؤنة النفقة والركوب فهذا لا يضر الشاهد ركوب دابة المشهود له وإن كانت له دابة ولا أَكْلُ طعامه، وما فوقه مما تكثر فيه مؤنتهما تسقط الشهادة بركوب دابة المشهود له إن كانت للشاهد دابة وبأكل طعامه عند سحنون، وقيل لا تبطل بذلك فإن لم يقدر الشاهد على نفقة ولا ركوب وهو ممن يشق عليه المشي لم تبطل شهادته بركوب دابة المشهود له وبأكل من طعامه، وقيل تبطل بذلك إن كان مبرزا فإن بعد الشاهد بحيث لا يلزمه الأداء وليس بموضعه من يشهد عنده فلا يضره أكل طعام المشهود له ولا ركوب دابته، وإن لم يحتج إلى شيء منهما، وكذا لا يضره إنفاق المشهود له عليه إن احتجب السلطان عن الشاهد ما دام منتظرا له إن لم يجد من يشهد على شهادته وينصرف، وقيل إنها تبطل بذلك وهو الأظهر.