وفي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود من حديث واقد بن أبي واقد الليثي، عن أبيه أن رسول الله ﷺ، قال لنسائه في حجته:"هذه ثم ظهور الحصر (١) - يعني ثم الزمن ظهور الحصر (١) - ولا تخرجن من البيوت"(٢).
وأما الاستطاعة فأقسام: تارة يكون الشخص مستطيعًا بنفسه، وتارة بغيره كما هو مقرر في كتب الأحكام.
قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا إبراهيم بن يزيد، قال: سمعت محمد بن عباد بن جعفر يحدث، عن ابن عمر ﵄، قال: قام رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: من الحاج يا رسول الله؟ قال:"الشعث التفل"، فقام آخر فقال: أي الحج أفضل يا رسول الله؟ قال:"العجّ والثجّ"(٣)، فقام آخر فقال: ما السبيل يا رسول الله؟ قال:"الزاد والراحلة"(٤). وهكذا رواه ابن ماجه من حديث إبراهيم بن يزيد وهو الخوزي، قال الترمذي: ولا نعرفه إلا من حديثه، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه، كذا قال: ههنا، وقال في كتاب الحج: هذا حديث حسن (٥). لا يشك أن هذا الإسناد رجاله كلهم ثقات سوى الخوزي هذا، وقد تكلموا فيه من أجل هذا الحديث، لكن قد تابعه غيره، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله العامري، حدثنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي، عن محمد بن عباد بن جعفر، قال: جلست إلى عبد الله بن عمر، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال له: ما السبيل؟ قال:"الزاد والراحلة"(٦). وهكذا رواه ابن مردويه من رواية محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير به، ثم قال ابن أبي حاتم: وقد روي عن ابن عباس وأنس والحسن ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والربيع بن أنس وقتادة نحو ذلك (٧)، وقد روي هذا الحديث من طرق أخرى من حديث أنس وعبد الله بن عباس وابن مسعود وعائشة كلها مرفوعة، ولكن في أسانيدها مقال، كما هو مقرر في كتاب الأحكام، والله أعلم.
وقد اعتنى الحافظ أبو بكر بن مردويه بجمع طرق هذا الحديث، ورواه الحاكم من حديث أبي
(١) في لفظي الحصر جاء في الأصل: "الخضر" وهو تصحيف والتصويب من المسند و (عف) و (ح) و (حم). (٢) المسند ٥/ ٢١٩ وسنده حسن، وسنن أبي داود، المناسك، باب فرض الحج (ح ١٧٢٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (١٥١٥). (٣) العج: رفع الصوت بالتلبية، والثج: سيلان دماء الهدي أو الأضاحي. كما في حاشية سنن الترمذي. (٤) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه (السنن، التفسير، باب ومن سورة آل عمران ح ٢٩٩٨ وفي سنده إبراهيم بن يزيد الخوزي متروك كما في التقريب ص ٩٥). (٥) سنن الترمذي، الحج، باب إيجاب الحج بالزاد والراحلة (ح ٨١٣). (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه محمد بن عبد الله بن عبيد الله الليثي ضعيف (الجرح والتعديل ٧/ ٣٠٠)، فتكون المتابعة التي ذكرها الحافظ ابن كثير ضعيفة وسيأتي كلام الحافظ ابن كثير: بأن هذه الأحاديث المرفوعة في أسانيدها مقال. (٧) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول ابن عباس أخرجه الدارقطني وابن ماجه وابن المنذر بسند ضعيف (التلخيص الحبير ٢/ ٢٢١)، وقول أنس أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٤٤٢) وبقية الأقوال مرسلة. ونقل الحافظ ابن حجر عن ابن المنذر قال: لا يثبت الحديث في ذلك مسندًا، والصحيح من الروايات، رواية الحسن مرسلة (التلخيص الحبير ٢/ ٢٢١).