أجمعين، وما بشروا به ونوهوا به من ذكر النبيّ الأميّ الهاشميّ العربي المكي، سيد ولد آدم، وخاتم الأنبياء، ورسول ربّ الأرض والسماء، وقد توعدهم الله على ذلك، وأخبر بأنه شهيد على صنيعهم ذلك وما خالفوا ما بأيديهم عن الأنبياء ومقابلتهم الرسول المبشر به بالتكذيب والجحود والعناد، فأخبر تعالى أنه ليس بغافل عما يعملون، وسيجزيهم على ذلك يوم لا ينفعهم مال ولا بنون.
يحذر ﵎ عباده المؤمنين عن أن يطيعوا طائفة من أهل الكتاب الذين يحسدون المؤمنين على ما آتاهم الله من فضله وما منحهم به من إرسال رسوله، كما قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وهكذا قال ههنا: ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ثم قال تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ يعني: أن الكفر بعيد منكم وحاشاكم منه، فإن آيات الله تنزل على رسوله ليلًا ونهارًا، وهو يتلوها عليكم ويبلغها إليكم، [وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٩)﴾ [الحديد: ٨، ٩](١)، وكما جاء في الحديث أن النَّبِيّ ﷺ، قال لأصحابه يومًا:"أي المؤمنين أعجب إليكم إيمانًا؟ " قالوا: الملائكة. قال:"وكيف لا يؤمنون وهم عند ربهم؟ " وذكروا الأنبياء، قال (٢): "وكيف لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟ " قالوا: فنحن (٣). قال:"وكيف لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ " قالوا: فأي الناس أعجب إيمانًا؟ قال:"قوم يجيئون من بعدكم يجدون صحفًا يؤمنون بما فيها"(٤). وقد ذكرت سند هذا الحديث والكلام عليه في أول شرح البخاري، وللّه الحمد.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: ومع هذا فالاعتصام باللّه والتوكل عليه هو العمدة في الهداية، والعدّة في مباعدة الغواية، والوسيلة إلى الرشاد، وطريق السداد وحصول المراد.
قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أحمد بن سنان، حَدَّثَنَا عبد الرحمن، عن سفيان وشعبة، عن زبيد اليامي، عن مُرَّة، عن عبد الله هو ابن مسعود ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ قال: أن يطاع فلا يعصى،
(١) ما بين معقوفين زيادة من (عف) و (مح). (٢) في الأصل: "قالوا: فالأنبياء". (٣) في الأصل: "ونحن". (٤) حديث ضعيف تقدم في تفسير الآية رقم (٣).