وقد ذكر محمد بن إسحاق وغير واحد (١٤٦)، أن صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها نزلت في وفد نجران. وقال الزهري: هم أول من بذل الجزية. ولا خلاف أن آية الجزية نزلت بعد الفتح. فما الجمع بين كتابة هذه الآية قبل الفتح إلى هرقل في جملة الكتاب، وبين ما ذكره محمد بن إسحاق والزهري؟ والجواب من وجوه:
(أحدها) يحتمل أن هذه الآية نزلت مرتين: مرة قبل الحديبية، ومرة بعد الفتح.
(الثاني) يحتمل أن صدر سورة آل عمران نزل في وفد نجران إلى [١] هذه الآية، وتكون هذه الآية نزلت قبل ذلك، ويكون قول ابن إسحاق:"إلى بضع وثمانين آية" ليس بمحفوظ، لدلالة حديث أبي سفيان.
(الثالث) يحتمل أن قدوم وفد نجران كان قبل الحديبية، وأن الذي بذلوه [٢] مصالحة عن المباهلة، لا على وجه الجزية، بل يكون من باب المهادنة والمصالحة، ووافق نزول آية [٣] الجزية بعد ذلك، علي وفق ذلك كما جاء فرض الخمس، والأربعة أخماس [٤] وفق ما فعله عبد الله بن جحش في تلك السرية قبل بدر. ثم نزلت فريضة القسم على وفق ذلك.
(الرابع) يحتمل أن رسول الله ﷺ لما أمر بكتب هذا الكلام [٥] في كتابه إلي هرقل، [][٦] لم يكن أنزل [٧] بعد، ثم نزل [٨] القرآن موافقة له ﷺ كما نزل بموافقة عمر بن الخطاب [﵁] في الحجاب وفي الأسارى، وفي عدم الصلاة على المنافقين، وفي قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وفي قوله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيرًا مِنْكُنَّ﴾ الآية.
(١٤٦) - ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/ ٥) وقال: وقال ابن إسحاق: حدثني محمد بن سهل بن أبي أمامة قال: لما قدم أهل نجران على رسول الله ﷺ يسألونه عن عيسى ابن مريم. نزلت فيهم فاتحة آل عمران إلى رأس الثمانين منها، وأخرجه البيهقي في الدلائل.