ينكر [تبارك و][١] تعالى علي اليهود والنصارى في محاجتهم في إبراهيم الخليل ﵇، ودعوى كل طائفة منهم أنه كان منهم، كما قال محمد بن إسحاق بن يسار (١٤٧): حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس [﵁] قال: اجتمعت نصارى نجران، وأحبار يهود عند رسول الله ﷺ فتنازعوا عنده فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديًّا، وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيًّا، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ [وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إلا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ]﴾. أي: كيف تدعون أيها اليهود أنه كان يهوديًّا. وقد كان زمنه قبل أن ينزل الله التوراة علي موسى، وكيف تدعون أيها النصارى أنه كان نصرانيًّا، وإنما حدثت النصرانية بعد زمنه بدهر؟ ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [ثم قال تعالى][٢]: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
هذا إنكار علي من يحاج فيما لا علم له به، فإن اليهود والنصارى تحاجوا في إبراهيم بلا علم، ولو تحاجوا فيما بأيديهم منه علم مما يتعلق بأديانهم التي شرعت لهم إلي حين بعثة محمد ﷺ لكان أولي بهم، وإنما تكلموا فيما [لا يعلمون][٣]، فأنكر الله عليهم ذلك وأمرهم برد ما لا علم لهم به إلي عالم الغيب والشهادة، الذي يعلم الأمور علي حقائقها وجلياتها [٤]، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ أي: متحنفًا عن الشرك، قاصدًا [٥] إلي الإِيمان ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
(١٤٧) - انظر "السيرة" لابن هشام (٢/ ٣٩٣ - ٣٩٤)، والحديث أخرجه البطبري في "تفسيره" (٦/ ٤٩٠) رقم (٧٢٠٢)، والبيهقي في "الدلائل" (٥/ ٣٨٤ - ٣٨٥).