يقول تعالى، منكرًا على من أراد دينا سوى دين الله، الذي أنزل به كتبه، وأرسل به رسله، وهو [عبادة الله][١] وحده لا شريك له، الذي له أسلم من في السموات والأرض، أي: استسلم له من فيهما طوعًا وكرهًا؛ كما قال تعالى:[﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ الآية. وقال تعالى][٢]: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ [٣] فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾.
فالمؤمن مستسلم بقلبه وقالبه للَّه، والكافر مستسلم لله كرفا، فإنه تحت التسخير والقهر والسلطان العظيم، الذي لا يخالف ولا يمانع. وقد ورد حديث في تفسير هذه الآية على معنى آخر فيه غرابة؛ فقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (١٧٢): حدثنا [٤] أحمد بن النضر العسكري، حدثنا سعيد بن حفص النفيلي، حدَّثنا محمد بن محصن العكاشي، حدثنا الأوزاعي، عن عطاء بن أبي رباح، [عن ابن عباس][٥] عن النبي ﷺ: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ أمّا من في السموات فالملائكة، وأما من في الأرض، فمن ولد على الإِسلام، وأما كرهًا فمن أتى به من سبايا الأمم في السلاسل والأغلال، يقادون إلى الجنة وهم كارهون".
وقد ورد في الصحيح (١٧٣): " عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل". وسيأتي له شاهد من وجه آخر، ولكن المعنى الأوّل للآية أقوى.
وقد قال وكيع في تفسيره (١٧٤): حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ
(١٧٢) - الحديث أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١١/ ١٩٤) رقم (١١٤٧٣). وهنا سقط اسم ابن عباس، فالإسناد عند الطبراني عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ. وذكره الهيثمي في "المجمع" (٦/ ٣٢٩) وقال: رواه الطبراني، وفيه محمد بن محصن العكاشي وهو متروك. (١٧٣) - أخرجه البخاري في "صحيحه"، كتاب الجهاد، باب: الأسارى في السلاسل، حديث (٣٠١٠) وطرفه في (٤٥٥٧). والحديث سبق تخريجه في سورة البقرة آية (٢٥٦). (١٧٤) - أخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٥٦٥)، حديث (٧٣٥٢)، من طريق وكيع به.